تعيش كأقلية في مجتمع غريب عنك، غريب في عاداته، و تقاليده، و مفاهيمه، غريب في دينه و لغته، غريب في أهدافه و تطلعاته، تحاول أن تتأقلم قدر استطاعتك، تأخذ منه ما يفيدك، و تنبذ ما لا يمكن أن يتفق معك.

هذا ما تحاول أن تفعله أنت، فماذا عن أبنائك، و كيف يتعاملون مع هذا المجتمع، و ماذا تفعل أنت معهم ؟

مع من يتعامل طفلك؟

ربما ينحصر تعاملك مع المجتمع في محيط عملك، زملاؤك في العمل، مديرك، يمتد الأمر إلى طبيبك الذي قد تراه مرة في العام، و جارك الذي تلقي عليه التحية من آن لآخر، بعض الزيارات المتخطفة لمدرسة ابنائك، و لا تمتلك من الوقت ما يكفيك حقا لتتعامل مع فئات أكثر، فينحصر غالبا تعاملك مع فئة واحدة تقريبا من المجتمع، و هي مما يمليه عليه عملك.

بعض الأعمال يحتك فيها الإنسان مع فئات مختلفة من البشر، ليعطيك انطباعا أكبر لشرائح مختلفة لهذا المجتمع الذي تعيش فيه، و البعض لا يعلم من المجتمع إلا تلك الشريحة الضيقة، التي يتعامل معها يوميا ، خاصة إذا كان ممن يخشون الإندماج بشكل أكبر في المجتمع الذي يعيش فيه.

بينما تكون هذه هي دائرة تعاملاتك، تجد أن الأمر يختلف كليا بالنسبة لأبنائك، إن كنت تعطيهم مساحة كبيرة من الحرية ، فتختلف الشرائح التي يتعامل معها بشكل كبير.

هو يتعامل مع مشرفاته في الحضانة، و مدرساته في المدرسة، مع زملائه ، و مع آبائهم الذين تختلف وظائفهم و طباعهم و أخلاقهم، مع الأطباء سواء في زياراتهم للمدرسة، أو متابعته المستمرة عند طبيبه الخاص، يتعامل مع جيرانك بشكل أكبر ، و يحاورهم و يحاورونه، و يمتد الأمر حتى لما هو أبعد من جيرانك القريبين.

يشترك في أنشطة، و يتعامل مع مدربين، و زملاء جدد، و أهالي آخرين، أناس ربما لا تعرفهم أنت سوى من شكل الوجه، أو الاسم.

يشترك في مخيم، و تختلف مرة أخرى طبيعة المتعامل معهم،قد يتعامل مع عمدة المدينة في بعض الأوقات، مع عمال البلدية في الشارع، مع الشرطة اثناء تدريباتهم في المدرسة و الحضانة.

لتجد في النهاية أن أبناؤك يتعاملون مع دائرة كبيرة تحتوي على شرائح متنوعة من المجتمع، تمثل ربما الجزء الأكبر منه.

حيرة

!!

في الوقت الذي تحاول أنت فيه الاندماج في المجتمع الجديد، و تبحث عن الكيفية المناسبة لهذا الاندماج، هل سيكون ذوبانا كاملا فيه، أم اندماج جزئي، فتندمج فيه محافظا على عاداتك و تقاليدك و قيمك، أم أن تعيش مجاورا له منفصلا عنه، لا تتعامل مع من فيه إلا بقدر الحاجة و كفى.

في نفس هذا الوقت، يندمج ابنك بشكل تلقائي في مجتمعه، هو لا يهمه حساباتك، و تفكيرك و ترددك، هو اندمج بالفعل بتعامله اليومي،بفطرته و تلقائيته، و ان لم تعِ هذه الحقيقة مبكرا، فسوف تستيقظ ذات يوم على واقع ذوبان ابنك بالكامل في مجتمع ، ربما ما ترفضه فيه من قيم و مبادئ أكثر مما تتقبله.

لا تجاهد كثيرا في منع ابنك من الاندماج، فذلك لن يجدي نفعا، و ربما تلجؤه يوما لتحيُّن فرصة الانفصال عنك نهائيا إن أنت عاندته و منعته، اصرف طاقتك في توجيه اندماجه، حاول الوصول لتلك الصيغة التي يحافظ فيها على دينه و قيمه و مبادئه، مع اندماجه الكامل في مجتمع زرعته أنت فيه من البداية.

تلك المعادلة الصعبة في تحقيق التوازن بين ما تحرص عليه، و بين ما يحرص هو عليه، تلك المعادلة التي عليك أن تعلم أن الوصول إليها ليس بالأمر الهين، و لا البسيط، تلك المعادلة التي إن نجحت في تحقيقها، تكون قد ساهمت بها في بناء جيل جديد مختلف في هذه البلاد، جيل ينتمي إلى هنا، و يحمل هم دينه معه، جيل قد يكون هو القادر على تحقيق ما لا تستطيعه أنت، جيل يعلم خفايا المجتمع، و كيفية التواصل معه، في نقطة يتفوق عليك بها

ما هو دورك اذن

كخطوة أولى عليك أن توسع دائرة مجتمعك قليلا، تعرف على جيرانك، و تحدث معهم، تعرف على زملاء أبنائك، و آبائهم، رافق ابنك في أنشطته، و تعرف على من حولك، اعمل على اندماجك أنت أولا في المجتمع الجديد الذي تعيش فيه.

اللغة … احرص على أن يتقن أبناؤك لغة البلاد التي يعيشون فيها، فهي أساس التواصل، علمهم لغتك الأم و احرص على اتقانهم اياها، مع نفس الحرص على اتقان اللغة الأخرى، فلا غنى عن ايهما.

ساعد أبناءك على تخطي الصعاب، ساعدهم على معرفة حقوقهم، مالهم و ما عليهم، اجمع ما بين معرفته أنه مختلف، و لكنه رغم اختلافه لديه نفس الحقوق، و عليه نفس الواجبات اتجاه هذا المجتمع.

هو مختلف؟؟ بالطبع مختلف، و عليه في وقت ما أن يعلم بأنه قد يعاني بسبب اختلافه، و لكن ازرع فيه المثابرة، و التمسك بحقوقه، و محاولته المرة تلو الاخرى ليصل الى ما يريد.

ليس الأمر سهلا، و لكنه أيضا ليس مستحيلا، و هو حق أبنائك عليك طالما ارتضيت لهم أن يشبوا في بلاد غير بلادك.

نحن نتناسى أحيانا أن مجتمعات أبنائنا قد أصبحت ها هنا، و ليست هناك، نتناسى أنه يحمل حب وطنين لا وطن واحد، قد لا يخطر على بالنا مدى ارتباطه ببلاد اعتقدنا أنها لاتمثل إلا الغربة بالنسبة إلينا، و بالتبعية لهم كذلك، اندماج ابنائك في هذه المجتمعات الجديدة هو حق من حقوقهم

Comments

comments