زوجها

كنت أظن أن الأمر سوف ينتهى عند تلك الفتاة الواضح عليها أنها من عائلة ميسورة الأحوال…حين جاءت لى مع أبيها تشكو من ألم فى رأسها لا يبارحها ويمنعها عن أن تقوم بما يجب عليها وقد اقتربت الامتحانات..

كانت فى العشرين من عمرها تقريبا..و كانت هادئة ومتحفظة فى الكلام..قلت لها أن ذلك الألم المستمر ناتج عن ضغط نفسي و سألتها إن حدث شىء قالت بهدوء..منذ فترة قصيرة عاود أمى مرض السرطان و عدنا بها إلى المستشفى…

وللحق لم أتاثر كثيرا أكثر من التأثر المعتاد لمثل هذه المواقف أن ترى فتاة صغيرة السن على حافة من أن تفقد أمها..

أنت كطبيب مهما قالوا لك أن تنحى مشاعرك الشخصية وأهوائك فلن تقدر…سوف يبقى هناك مريض يدخل القلب وتحبه حقا ومريض آخر تشعر ببعد عنه وتعامله من منطلق واجبك الإنساني فقط…

كان هو أحد هؤلاء..إن كنت طبيبا فستعرف كم يرهق الطبيب و يثير أعصابه المريض اللحوح..الذى يسأل السؤال مئة مرة و يجد نفس الإجابة والذى يتدخل فى مواعيد الدواء وتنفيذه ومواعيد الفحوص وتنفيذها..كان هو كذلك..وبجدارة..حتى أننا جميعا كنا نحاول قدر الإمكان تحاشى التعامل معه حتي لا يثير أعصاب أحدنا فينفعل!

الواقع أنى لا أعرف اسمه إلى الآن..فقد كنت أطلق عليه “جوز فلانة” لأنه كان مع زوجته المصابة بمرحلة متأخرة من سرطان الثدى جعلته ينتشر في أنحاء جسدها ليصبح جسد ضعيف مهترىء…

مهما اعتقدت أنك تشعر بمعاناة مريض يعلم أن حياته أوشكت على الانتهاء واستسلم لذلك لن تستطيع إلا إذا كنت-عافاك الله_ مكانه…الغريب أنى كلما رأيت أحدهم فكرت ترى فيم يفكر من علم بقرب الأجل…

في أحد الايام..قررت القيام بعملية انتحارية و الذهاب إلى غرفة تلك المريضة لأن زوجها استمر فى إلحاحه على ما يلح عليه دائما..نفس الطلب..نفس الأسئلة..ونفس الإجابات..فبدلا من أن يتحول الأمر إلى “خناقة” ذهبت لأحاول تهدئته..

كان يبكي وينظر إليها و قد ارتبك صوته و يقول لها “أنا آسف” “والله ما قصدي أنا آسف” و يلح..وهى تقول له بصوتها المبحوح جدا من الإنهاك الذى اصابها و تحطمت رئتاها يفغل انتشار المرض فيهما فلم تعد تقوى على كلام مثير..تقول له “يا بابا أنا عارفة إنه مش قصدك حصل خير هيحصل ايه يعني”…

لن أنكر أنى أتردد دائما فى تلك المواقف…لا أعرف يقينا ما يجب فعله..شعورك وأنت طبيب لا يجعل مجرد طمئنة المريض أو اهله كافى..كأنه “واجب” عليك أن تفعل شيئا..واجب أن تذهب فتأتى بجديد..أن تمتلك العصاة السحرية وتغير أى شىء…

سألتهم باندهاش وخوف ماذا حدث…أجابني وهو مازال يبكي..”كنت بساعدها تدخل الحمام وغصب عني اتفكت الأنبوبة (كانت المريضة تضع أنبوبة في الصدر لتفريغ الارتشاح الدموي الذى يطبق على رئتيها)…و أنا أعرف أنها يصعب عليها التنفس بدونها..و أنها كانت مثبتة ببضعة غز فى جلدها فآلمها أن انفكت”…

كان هو يحكي ويبكى متوترا وخائفا وهى تحاول طمئنته “أنت تعبان معايا طول اليوم مش مهم هستحمل كفاية إنك انت اللى بتشلني وتجيبني وتوديني وسايب كل حاجة عشاني”…

لوهلة تذكرت الموقف..ابنتها رأيتها فكانت تلك الفتاة التى جاءت تشكو من صداع مزمن..كانت جالسة نظرة باردة..على وجهها..فسألتها هل انتهت من الامتحانات..فردت أمها بصوت مبحوح :”دي تعبت معايا أوي..مذاكرة ومستشفى”…

أحيانا تسأل نفسك..هل إن وضعت -عافى الله أهلى ومن أحب- فى مثل هذا الموقف هل سأكون قادرة على تلك المسئولية..على هذا التنازل؟؟ على أن أهب حياتي لأحد أحبه في حاجة وأنا راضية..

كانا فى الخميسن من العمر…الأمر أنه حين تعيش مع شريك لك فترة طويلة..عشرين عام مثلا..يصبح الامر بينكما أكبر من أى حب..و اكبر من أى محبة..يصبح الأمر عادة وتعود..يصبح هذا الشخص شاهدا على حياتك..بكل ما فيها…يصبح ذاكرة حية لحياتك التى تذكرها..حتى أنك يصعب عليك أن تتذكر حياتك بدونه..مهما جعلك تعانى..مهما جعلك تبكي..مهما اختلفتما..ولكن يبقى خوفك من فقدانه أو البعد عنه هو خوفك من فقدان نفسك..أنت مهما كنت لا تعلم لنفسك تعريفا بدونه…أن تعرف أن العمر لن يسمح بأن تعرف غيره وتعتاد غيره وتشارك غيره…تصبح حياتك بدونه انتظار للحظة الأجل..مهما كان لديك من أمور لتعوضك عنه…لا تفكر حينها هل أحببته حقا منذ عشرين عام أم لا..تصبح كل أفكارك هل أنا قادر على الحياة بدون هذا الذى شاركنيها كلها؟؟؟

مهما اصابتك من ضغوط مهما بذلت لأجله من جهد..يبقى ما تفعله تفعله حقا لنفسك..هذا الذى شاركك حياة كاملة وشهد عليها..و اصبح يكمل حديثك ويعرف كل ما تحب وتكره..و تركك الأقربون..والاصحاب والأهل وبقيتما أنتما فقط…هذا الذى كان كلما رأى ما تحبه أنت اشتراه لعشرين عام..تلك التى لم تذق “الكوسة” عشرين عام لأنك لا تحب رائحتها!

تصبح حياتك وحياته متشابكة..لا تعلم هل أحدكما حقا قادر على أن يصمد دون الآخر..

لذلك يبدو كل جهد من أجله هيّن..كل يوم يبقى فى الدنيا هو يوم اضيف لعمرك أنت….

لماذ اذكر ذلك اليوم؟ لأنه كان يوم “واقفة” عيد من الأعياد..وفي تلك الايام يصعب جدا الوصول للاستشاريين وأردنا واحدا ليعيد تركيب الانبوبة التى لم تكن سوى أمل ضعيف يساعدها فقط على التنفس..

كان كل همها أن تطمئنه…وتبكي..كان كل همه أن يطمئنها ويبكي…كان الأمر اشبه بأم تبكي وطفلها يبكي لأجلها فتدعي عدم البكاء حتي لا يبكي هو…

حاولت تهدئتها و مداعبتها وحاولت تهدئته..و أخرجته من الغرفة وقلت له هوّن عليك فهى تحتاجك و لكن كل هذا الضغط سوف يصيبك أنت بالمرض…فقال لى :اصلها ملهاش غيري والولاد مش فاضيين..وأنا خايف حتى أطلع العمرة أرجع مالقاهاش..مش عايز أى حاجة ممكن تتعمل أكون اصرت فيها”..

تخيل ان تسمع هذا الكلام من شخص كنت “شخصيا” تمل منه..فيذوب الحاجز و تشعر أنك شهدت الحب فعلا..الحب الحق القائم على مودة وعطف…

العمل فى مستشفى يجعلك تعرف العائلة بأكملها فى اسوأ ظروفها…تعلم أنه أحيانا من طول المرض يتمنى أهل المريض له الموت لينتهى ألمه وآلامهم…وهو يتمنى الموت ليريحهم..ويبقى شعور بالذنب متبادل..فكرت كم مرة مر بخاطره أن يتركها…كم مرة قال في نفسه هى ستموت فلماذا ابذل الجهد..كم مرة منعه عن ذلك أنه يعلم “إنه ملهوش غيرها” فكرت هل كانا يحبان بعضهما منذ عشرين عام؟؟ هل ما منعه أنه تذكر أنها أم اولاده وهم يحتاجونها..هل منعه حين تذكر كل ما أفضى به إليها..وكل مرة ساعدته..هل منعه أن تذكر يوما تحملت منه ما لا يحتمل؟؟

في ذلك اليوم تخيلت أن ما تفكر فيه هى وهى على مقربة من الموت هو كيف ستترك هؤلاء؟؟كيف ستساعدهم أن يعتادوا غيابها؟..كيف سيعرف هو أنه لم يقصّر..

تذكرت أنى شهدت ذلك لسبب ما…وحتى اليوم حين أراه لا أعرف اسمه واذكر فقط أنه “زوجها”

في الخلفية كان هاتفى يضرب جرسه أغنية جون لينون

grow old along with me…the best is yet to be

WHEN OUR TIME WILL COME..WE WILL BE AS ONE..
http://www.youtube.com/watch?v=q2gfiet4PtI

Comments

comments