1

كان يستمتع بقائمة كتب هو عليها قواعد حساب المثلثات. كان يعلق هذه القائمة أمام مكتبه. القائمة التي ظلت تطول يوما بعد يوم لتحمل قواعد أكثر تعقيدا, و لتحمل أيضا الاشتقاقات و المعادلات التفاضلية و بعض قواعد الاستاتيكا. حتى بعد أن أنهى دراستها… كان يحب أن ينظر إلى تلك القائمة… إلى خطه الرديء عليها. كانت تذكره بما بذل من جهد… إلى تلك اللحظة. ولكنه لم يكن يعرف أن القائمة كانت تعني أكثر من مجرد معادلات. القائمة كانت تربطه بمكتبه… الوحيد… حتى سافر, و سافر, و سافر… و صار غريبا.

هو الآن غريب, و الغريب ليس له مكتب يضع عليه اشياء يعرف انه سيفقدها. الغريب لا يرى الحائط… لا يرتبط به, لا يعلق عليه أوراق. الغريب يعرف أن كل شيء حوله “مؤقت”. وسادة النوم, السرير, فرش الأرضية, المقاعد, الطاولات… كلها أشياء مؤقتة. الغريب -مثله- لا يرتبط بأي شيء… أقصد أي شيء… أعني فعلا كل شيء. لا يمكن لإنسان أن يتعلق قلبه بشيء يعرف من اللحظة الأولى لحصوله عليه أنه سيتركه عاجلا لشيء آخر.

هو الآن, ككل آن, يريد مكتب “مؤقت” يضع عليه دمية العجوز التي صحبته و كانت تطمأنه بعد أن يشكي إليها, يريد مكتبا يضع عليه دمية الفارس الذي كان يشحذ روحه كل يوم, و يضع عليه دمية السيارة الفارهة التي كان يرى فيها أحلامه التي لم يصل إليها بعد. هو لم يحتفظ أبدا بشيء أكبر من “دمية”… لأنه على سفر, و لأنه غريب.

هو يتمنى أن يكون له مكتب “ثابت” و حائط يلصق عليه أوراقه. ربما يفتقد شعور الراحة بين ذراعي أمه؟ أظنه فقط يتمنى أن يتوقف قلبه عن الخفقان للحظات هناك… بين ذراعيها. ربما لم تكن الحبيبة تكفي, و لا سماء الدنيا الرحبة, و لا التعليم, و لا السفر ولا كل ملذات الدنيا. ما الذي يريده حقا هذا المجنون؟!
هو لم يكن يتمنى لا المكتب, ولا السفر ولا حتى أحلامه. كل ما بذل من جهد…. كل ما تمناه حقا… هو شيء واحد: الراحة.

Comments

comments