3

الفكرة المجردة في مقال محفوظ تماما كما الجنية السحرية حبيسة زجاجة ألقيتها في البحر. ستمر الأعوام, و ستعلوها الأتربة، و سيموت صاحبها، و سيأتي آخر يقرأها، و يحبها، و تسحره و تسرق فؤاده أبدا. و ربما بسبب الجنية المسحورة يتعلق بصاحبها حتى بعد مماته، ستبقى الجنية (الفكرة المجردة) حية نضرة، لا تموت أبدا.. بالعكس، تعطي هي الحياة لكل جيل، لكل أولئك العشاق للهالة السحرية حولها… يسمونها: الفكرة النبيلة.

لا قيمة لعمرك وحدك. قيمة حياتك في تلك الحلقة التي تبنيها من فكرة نبيلة لك، أو لشخص سبقك، من جماعتك أو جماعة سبقتك. إذ ما الذي يمكن أن تحققه في مائة عام من عمرك؟ لا شيء، و كل شيء. لا شيء لو كنت وحدك. كل شيء لأنك ستمتلك الزمن فقط لو كنت في “جماعة”، أي جماعة… لها فكرة نبيلة تؤمن بها.

وعيك أنك مجرد “حلقة” في سلسلة طويلة ممتدة بامتداد التاريخ، بأنك مجرد “ترس” في ماكينة زمنية عملاقة، بأنك مجرد “لبنة” في أعظم بناء عرفته البشرية… وحده الذي يخرجك من حيز عمرك المحدود، و ذاتك الضعيفة، و عجزك عن إنفاذ فكرتك النبيلة إلى رحابة الزمن و سعة الفضاء. بذلك كله، تخرج من كونك “مجرد” شخص آخر… لكونك أحد هؤلاء المختارين بعناية لمهمة واضحة في الدنيا. لكونك أنت الذي يشعر لماذا كل ذلك حولي أنا؟ لماذا في هذا الزمن؟
لماذا أيها التعيس لم تولد في الزمان الذي تحب؟ أي زمان ذلك الذي تعلق قلبك به… ربما كنت فارسا في الأندلس، أو قائدا لأحد الفتوحات أو أشعثا مغمورا يفتح الله به عوالم كثيرة، أو أحد ساكني الكهوف الحيارى…. لماذا كل هذا العناء في الدنيا إن كان بابا تدخل منه فتخرج. أي حماقة أو معنى ذلك في ذلك اللغو… الذي يسمونه الدنيا.

قيمتك في الأثر الذي ستتركه، عمرك كله بلا قيمة بدون ذلك ال “أثر”.

يوما ما ستتحرر روحك من ذلك السجن الذي حبست داخله، يوما ما سينتهي كل ذلك الفيلم الذي يسمونه الحياة بعد أن لعبت فيه دورا مملا متكررا كآخرين، أو سينتهي بابتسامة من وجهك و أنت تتطلع على ألوان الطيف التي خلقها المختارين على الأرض… أنت دائما من يقرر لون الطيف الذي ستتركه أثرا لك. ما لون طيفك؟ ألك طيف؟! أءنت منهم؟ أم أنت ثقب أسود انتهت عنده كل فكرة نبيلة؟!

ثمة نظرية فلسفية تقول: لا داعي من أن تخاف من الموت، لأنك حين تعي أنك ميت، ستكون مت بالفعل، و حتى يحدث ذلك فأنت حي ترزق. فقط احرص على أن تترك أثرا إلى ذلك اليوم.

سمها أثرا، سمها فكرة نبيلة، سمها الجنية المسحوة، المهم اعشقها بكل ذرة في كيانك، تحدث عنها كما المحبوبة بغير خوف، تبتل إليها علها تحبك هي الأخرى، و ايقظ اولئك الراقدين فوق التراب، أولئك الساكنين كما الأموات و هم أحياء، أنعش بعشقها هالة من الأطياف… منك، ممن تحب، من أصدقائك… ممن سمع بها ولم ير أي منكم، اترك اثرا. لا تكن مجرد آخر. أنت ”مختار“ إن اخترت، لك طيف أنت تصنع لونه… لك بناء لا تموت قبل أن تبنيه، لك….
أثر.

Comments

comments