26

خرج من بيته ولم يستطع العودة..خرج من جامعته
ولم يجد الطريق إليها حين أراد الرجوع..تفرق عن
أهله بمتاريس و جنود..كان عزيزا مكتفيا راضيا مثله
مثلى ومثلك..الستر يحفه و كانت له أحلام كأحلامي و
أحلامك..التخرج..العمل..الزواج..الأحلام العادية التى
يستحقها كل إنسان!كل شاب على الأقل..!
تسرب إليه اليأس فلا عمل ولا مال يستند عليه..فلم يكن
أحد يحسب حساب «اليوم الأسود » و يقوم بجمع «قرش
أبيض »! مثلهم مثلنا جميعا.. »الجاى قد اللى رايح »..و
يؤجل كل متعة للحلم!
قالوا له ستكون نابغة..ستكون كاتب..ستكون شاعر..
ستكون مهندس مثل ابن عمك فلان..ربما تستطيع حتى
السفر إلى أوروبا كما فعل هو..و كان هو يصدق و يعمل
جاهدا راسما الحلم فى الأفق..مثلك تماما!
ثم راح الجميع يطلب منه الصمود..وهو يحاول فلا
يستطيع أن يظهر قمة اليأس أمام أبويه واخوته..
كل منهم محتفظ بيأس داخله ليكون سندا للآخرين..
له أب يلعن أنه لم يحتفظ بمال لذلك اليوم الاسود..و أم
تحاول أن تسترجع طرق جدتي فى حفظ الطعام نظرا لأن
الكهرباء ضيف عزيز عليهم اليوم!له أخوة صغار يرهبهم
صوت القذف و يفزعهم و عليه هو أن يصمد…
يفتح «الفيس بوك » ليجد الجميع يهللون ويطلبون منه
أن يصمد..شعارات وكلمات ولا يعرف أحد حجم الشرخ
الذى امتد فى قلبه وكاد يقسمه لولا أنه يسمكه بيديه
ساندا إياه..حتى لو لا يعرف ما الذى يمكن أن يريحه..
مجرد ذكريات من الماضى يتمناها و يلعن أنه لم يقدرها..
القهوة..النور..عمله من الصباح إلى منتصف الليل!
المشى فى ساحة المسجد!!
يحاول أن يضحك..ولكنه ضحك أجوف..يحاول أن يمزح
لأنه لا يدري ما عليه أن يفعل..هو مازال قليل الخبرة..
ومن يملك الخبرة من الأساس ليخبره ما عليه أن يفعله

كيف يجبر هذا الصدع فى روحه..لا يعرف متى
سينتهى ذلك..لا يعرف أى صورة لغده!
أتعرف ذلك الأمل البسيط..من شعاع النور الضعيف الذى
يأتيني ويأتيك قائلا إن غدا أفضل..هو لا يجده..الجميع
يخبره أنه بطل ويجب أن يتحلى بالصبر والإيمام..يضايقه
ذلك..هو ليس ضعيف الإيمان أو هكذا يحسب نفه..هو
فقط لا طاقة له بذلك..ياسه ليسعن ضعف إيمان بقدر ما
هو عن ضعف رؤية..عن تراب تراكم على عينيه فلم يعد
يرى!
وفى لحظة تفرق عن أهله..لا يريد التفكير فيهم…يبكيه
ذلك اكثر! يتركهم فى مكان مستقر فى القلب ويحاول
أن ينشغل بلا أمل..يوم وراءه يوم تمر الايام دون أمل..
حلمه اصبح أن يترك البلد..هو لا يكرهها ولكنه لم يعد
قادرا على البقاء!روحه رهينة..الغربة ليست سهلة..
خاصة إذا كنت تذهب من لا مكان إلى لا مكان..مجهول
إلى مجهول..كل غريب يطمئن إلى وجود وطنه هناك فى
مكان ما ليعود إليه وقتما يحلو له..إلا هو لا يعرف اين
الوطن ومتى يعود!كل ما يعرفه أن البلاد لم تعد كالبلاد..!
اليوم..اسمه لاجىء فى أحد المخيمات الباردة الغارقة
على أطراف المدينة..اسمه لاجىء وقد كان عزيزا كريما
فى بلده..له حلم مثلى ومثلك..
اليوم لا تقل لاجىء..قل أسيرة أوطانه فحملها فى قلبه
مثقلا ورحل!!
**عن اللاجئين السوريين..ردهم الله إلى بلادهم أعزاء
مكرمين..

Comments

comments