27

استيقظت من نومها وهى تتأوه وتسعل
بشدة، سخونة الفراش من تحتها أنبأتها أن حرارتها
مرتفعة..كانت ترتجف من البرد…نظرت إلى زجاجة المياه
على الطاولة البعيدة عنها..كان حلقها يتشقق من الانفلونزا..
حاولت النهوض من فراشها لتشرب ولكن دوار الحمى ردها
للفراش وكأنها تلقت لكمة فى وجهها…غمغمت “غالبًا
ضغطى منخفض”…كانت عقارب الساعة تقترب من ميعاد
شروق الشمس…بدا لها الذهاب للوضوء وصلاة الفجر دربًا
من الخيال.
تطلعت لزجاجة المياه مرة آخرى فى يأس ثم أدارت ظهرها
لها …رغمًا عنها انسابت دموعها وهى تلعن وحدتها…لو
كانت وسط أسرتها لنادت على أى من أخواتها ليحضر لها
المياه وغطاء إضافى..لسارع أحدهم بإعطائها الدواء وﻷعدت
أمها لها حساء الخضروات المسلوقة…عضت على شفتيها
عندما اكتشفت أن طعام الأسبوع نفذ بالأمس وبالتالى لابد
أن تتحامل على نفسها لتطبخ لنفسها شيئًا مغذيًا يعينها على
مقاومة المرض…لا تدرى كيف وهى لا تستطيع النهوض
لشرب المياه
قبل أن تستسلم للشعور بالاكتئاب لحالها، جاءها خاطر عن
ماذا لو كان لديها طفلً الآن؟ كم من أمهات تمرضن مثلها
وتكونن وحيدات بسبب سفر الزوج أو الانفصال..إذا كانت هى
أكبر مشاكلها فى خدمة نفسها..فماذا عليهن وربما يكون هناك
رضيعًا يصرخ ليتم تغيير ملابسه وآخر يريد الطعام وثالثة
مريضة كأمها. وبالطبع تنسى الأم كل آلامها وتتحامل من أجل
خدمة هولاء الصغار الذين لا حول لهم ولا قوة..ثم إن مرضها
ليس خطيرًا…انفلونزا شديدة…فماذا عن كبار السن الذين
يعيشون بمفردهم وقد تفاجئهم فى فراشهم أزمة قلبية أو
نوبة سكر أو جلطة؟ كانت تتخيل أن مشكلة الآباء والأمهات
عند زواج اولادهم أو هجرتهم فى الفراق ولكنها اكتشفت أنه
بجانب الفراق هناك هلع شديد أن يكون الإنسان بمفرده فى
هذا العمر..أن يفاجئه المرض فلا يجد من يستنجد به ..أن

ينسى أن يضع هاتفه الجوال بجوار فراشه فتصبح المسافة
بينهما كما هى المسافة بينها وبين زجاجة المياه التى نسيت
أن تضعها بجوارها قبل نومها.
كًانت أمامها صورتان فى منتهى التناقض…الصورة الأولى
ﻷم مريضة قامت من فراشها لترضع طفلها وتغير ملابسه..
والصورة الثانية لامرأة عجوز وحيدة فى فراشها تحتاج لمن
يناولها شربة مياه فلا تجد أولادها بجوارها! وأمام الصورتين
أخذ الدوار يلف رأسها حتى استسلمت للنوم وتحركت عقارب
الساعة لتشير إلى موعد شروق الشمس.

Comments

comments