أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً «
معنى المراء لغة:
المراء: الجدال. والتماري والمماراة: المجادلة على مذهب الشك
والريبة، ويقال للمناظرة مماراة . ] 1[ وماريته أماريه مماراة
ومراء: جادلته ] 2[
معنى المراء اصطلاحاً:
المراء: هو كثرة الملاحاة للشخص لبيان غلطه وإفحامه،
والباعث على ذلك الترفع ] 3[.
وقال الجرجاني: )المراء: طعن في كلام الغير لإظهار خلل
فيه، من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير( ] 4[.
وقال الهروي: )أَن يسْتَخْرج الرجلُ من مُناظره كلَما ومعاني
الخُصومة وغَيرها( ] 5[.
لأجل ما سبق من سطور ، قررت ان أصمت كثيرا عن المشاركة في هذا السيل من الأحاديث
وتبادل الآراء المنتشرة على المواقع الإجتماعية والأخبارية ، بعد تأمل دقيق ، وجدت أن بعضا
مما يحدث على هذه المواقع ، إن لم يكن معظمه ، يصل إلى مرتبة المراء ، مجرد طعن في كلام
الغير ، وبحث عن نقط الضعف فيه ، ومهاجمته ، لإظهار خلله واضطرابه، لغير غرض سوى
تحقير قائله وإظهار مزيته عليه !!.
قد يصيح البعض ، كما صاحت نفسي حينها: «ما هذا الضعف ؟! ، ألا ترى أنك تنسحب لمجرد
أنك أقل حجة وأنك تتعلل بهذه الأفكار لمجرد الهروب ؟! ، هذه هي السياسة ، وإن كنت صاحب
حق فعليك أن تهاجم ، وتبحث عن نقط ضعف غيرك لتهاجمه ، وتستخدم ذات أساليبه لتنتصر
عليه » ، كدت أصدقهم وكدت أعود إلى هذا المراء ، لولا نظرة أخرى للحديث الشريف ، ولآخر
جملة فيه «وإن كان محقا .!! »
هذا المراء ، هو ما جعل إحدى صديقاتي تسأل مستنكرة على صفحة الفيسبوك الخاصة بها :
أولئك الذين يدعون أنهم يحترمون رأي الآخرين، لماذا يحاولون إقناعهم بنقيضه؟ ، جادلتها قليلا
، فلم أجد في محاولة إقناعهم بنقيضه هو الخطأ ، ولم أجد حتى في اقتناعهم بصواب آراءهم هو
الخطأ ، ولكنني وجدت الخطأ ، أن يؤكد البعض -وبكل ثقة- أن آراء غيرهم هي الخطأ ؟؟!!
دعني أبسط الفكرة كما بسطتها صديقة أخرى شاركتنا الحوار ، يمكنك أن ترى تفاحة حمراء
اللون وتقسم وتؤكد أن التفاحة ذات لون أحمر ، فهذا ما تراه بعينك ، ويمكن لغيرك في مكان
آخر أن يرى تفاحة خضراء اللون ، و يقسم أيضا أن التفاحة لونها أخضر ، لأن هذا أيضا ما
يراه بعينه ، السؤال الآن هل في أي منهما كاذب ؟ ، بالطبع لا ، هل أخطأ أي منهما في قسمه
أو تأكيده للون التفاحة ؟ ، أيضا بالطبع لا ، ولكن الخطأ سيحدث إن تجاسر أحدهما فأكد وأقسم
بأغلظ الأيمان أن التفاحة التي عند غيره ، والتي لا يراها من الأصل ، هي على ذات اللون الذي
يراه !!!.
مجرد التأكيد بأن غيرك على الخطأ ، هو دافع كاف للدخول في المراء ، لأنك ستعمل جاهدا في
البحث عن أي عيب يظهر في كلامه ،أو في طريقة عرضه ، أو في تاريخه ، أو في شخصه
لتثبت تأكيداتك المزعومة ، فلنقل مثلا ، أن يعيب صاحب التفاحة الحمراء في عين صاحب
التفاحة الخضراء )عنده عمى ألوان يعني( ، أو أن يبدأ صاحب التفاحة الخضراء في التشكيك في
إيمان صاحب التفاحة الحمراء ، والدليل هو لون التفاحة الشيطاني الذي يراه !!
ومن الدوافع إلى الأسباب ، فما الذي يدخلنا في هذا المراء ؟! هل هي الديمقراطية ؟! ، أم أنها

الحرية التي صرنا نتمتع بها وبلا أي خطوط حمراء كنتيجة لهذه الديمقراطية ؟! كنت أتساءل وأنا
عاكف على كتاب تحضير امتحان التويفل ، فإذ بمقالة عن الديمقراطية تظهر أمامي )السياسة
ورائي ورائي(، تتحدث عن دراسة تسمى «الديمقراطية في أمريكا » ، الدراسة لباحث فرنسي
يسمى أليكسيس دي توكفيل ، المقالة تتبنى فكرة جديدة ، فكرة تشعرك أننا قد نكون في الإتجاه
الخطأ ، ليس على المستوى الإجرائي ، ولكن على المستوى الفكري ! ، الدراسة تمت نشرها
عام 1833 ،أي بعد ما يقرب من 30 عاما من نهاية الثورة الفرنسية ، الفكرة الرئيسية في هذه
الدراسة ، هي تصور توكفيل للديمقراطية على أنها مصدرا للقوة وليس مصدرا للحرية !.
يرى توكفيل أن اقتصار الديمقراطية على إطلاق الحريات ، وافتراض أن هذا هو أصلها
المؤسس ، هو الخدعة الامريكية التي نشرتها للجميع ، وهي البداية الخطأ التي يمكن أن
تشوه بها شعب أي دولة تحاول أن تطبقها ، فالديمقراطية عند توكفيل هي مصدر للقوة ، فهو
يرى أن الديمقراطية الامريكية قامت على تفتيت القوة المركزية الموحدة ، وهي سلطة الملك
والإرستقراطيات والطبقات الحاكمة ، وتوزيعها على الطبقات الأقل ، فلا ينفرد أحد بالسلطة
، ومن ثم تتلاشى النخب والطبقات المتسلطة فكريا و ماديا ، وهو ما ينتج عنه بعد ذلك إطلاقا
للحريات إطلاقا منضبطا ، تحكمه توازنات للقوى ، ولا يحتوي على ما نراه من مراء مضيع
للوقت و مثير للفتن.
ولكي لا نقع في المراء الآن ، فما قاله توكفيل لا يمكن تأكيده أيضا ، فديمقراطيته أشبه بالتفاحة
الحمراء ، لا يمكن أن أنكر عليه لونها ، وهي بالفعل تفسر وإلى حد كبير بعض مشاكل
الحكم الديمقراطي وتوابع تطبيقه ، ولكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تنكر القول القائل أن
الديمقراطية مصدر الحريات -وهي الديمقراطية الخضراء-، والتي أزالت و إلى حد كبير الكثير
والكثير من آثار قهر الشعوب وكتم آراءها.
الأمر يشبه وإلى حد كبير ما حدث بين أينشتاين ونيوتن ، فنيوتن هو الشخص الذي رأي الجاذبية
على أنها قوة تجذب الأشياء إلى من يملك هذه الجاذبية ، أما أينشتاين فقد رأى في نظريته النسبية
العامة )وليست الخاصة المعنية بسرعة الضوء( أن الجاذبية ما هي إلا هندسة تجبر الأجسام على
التحرك في مسارت محددة لا يمكن الخروج عنها ، الطريف أن أيا من النظريتين لم يستطع نسخ
الآخر ، ولا نفي نتائجها وآثارها ، فنظرية إينشتاين التي أذهلت العالم والتي فسرت ما فشلت
نظرية نيوتن للجاذبية في تفسيره من تمدد في الكون ، لم تتمكن من إلغاء ما بُني على نظرية
نيوتن من معادلات تنطلق على أساسها الصواريخ وإلى الآن إلى الفضاء !!.
وعليه ،فلا زلنا نسبح في بحر الصواب أو الخطأ ، ومن ليس معي فهو ضدي ، ولكن هذا ليس
ما يبني ، وإنما هو أصل الهدم ، وأصل عراك مستمر بين طرفين قد يكون كلاهما على الصواب
!!. لا زلت أذكر ما قاله الشيخ الشعراوي يوما أن المعارك التي تطول هي معارك تكون بين
الباطل والباطل ، لأن معارك الحق والباطل قد وعد الله أن ينصر الحق فيها سريعا ، لم يذكر
الشيخ رحمه الله -ولعله لم يتصور- شيئا حينها عن معارك الحق والحق ، فهل للحق ضد الحق
معارك ؟! ، أم أن لنا حينها أن نسميها الفتن !!.
قد يكون من السيئ أن لا ترى إلا ما تبصره عينك ، ولكن الأسوء أن تطعن فيما ييبصره
الآخرون.
المصادر
] 1[ لسان العرب لابن منظور
] 2[ المصباح المنير للفيومي
] 3[ التعريفات الأعتقادية لسعد الدين آل عبد اللطيف
] 4[ التعريفات للجرجاني
] 5[ تهذيب اللغة لأبي منصور الهروي

Comments

comments