1526518_479958765448316_1721355987_n

أولا: نظرية: الثلاث مراحل الأساسية للتحول الديمقراطي
—————————————————————-
مستقبل التحول الديمقراطي في الوطن العربي يمر في ثلاث مراحل أساسية، حتى يصل للديمقراطية الليبرالية بحسب دراسة د. معتز عبد الفتاح المنشورة (مصدر1):

حكم تسلطي تقليدي، ثم حكم تسلطي تنافسي، ثم حكم ديمقراطي ليبرالي.

1. حكم تسلطي تقليدي
حيث إجراءات تأسيس الحكم تعتمد على التزوير، مع غياب لأي نقاش حر، ولا توجد حقوق سياسية أو ضعيفة جدا إن وجدت، ولا تلتزم النخبة بأي من قيم الديمقراطية

2. حكم تسلطي تنافسي
حيث إجراءات الحكم تنافسية متوترة، مع غياب للنقاش الحر إلا في أطر محدودة، و كذلك حقوق سياسية محدودة، و تلتزم النخبة بشكل محدود و شكلي بالعملية الديمقراطية نتيجة لضغوط داخلية مجتمعية و ضغوط خارجية.
و بإيضاح أكثر:
– توجد مؤسسات ديمقراطية قانونية، يتراضى أطراف اللعبة على أنها مصدر الشرعية.
–تنتهك هذه المؤسسات الشرعية حين تجد نفسها بحاجة لتمرير قانون غير شعبي
–أمثلة: روسيا تحت حكم بوتن، وصربيا تحت حكم ميلوسوفيتش، و بيرو تحت حكم فويموري و ماليزيا تحت حكم مهاتير محمد

3. حكم ديمقراطي ليبرالي
تنافسي نزيه، ينتج تداولا سلميا للسلطة، وجود وضع مؤسسي، مسائلة برلمانية، شفافية إدارية، فعالية قضائية(استقلال قضائي). و تلتزم النخبة نتيجة الضغوط الداخلية و الخارجية بالعملية الديمقراطية.

———————————————
ثانيا: تطبيق النظرية على الوضع المصري
———————————————
و بحيث تنتقل الدولة في عمرها الحضاري بين هذه المراحل الثلاثة، و بتطبيق تلك النظرية(مصدر1 و مصدر2) على الحالة المصرية، نفهم أن عهد مبارك كان هو التسلطية التقليدية، ثم مع حدوث ثورة 25 يناير 2011 دخلت مصر في المرحلة الثانية من “حكم تسلطي تنافسي”.

أي هناك حالة من النزاع، على ما ترك مبارك من مؤسسات، ستأتي بحاكم “متسلط” قد يتجاوز القانون (الشرعية المؤسسية) أحيانا، و يضرب الدكتور مثلا في كتابه بالتعديلات الدستورية في عهد مبارك للإطاحة ببعض القوى السياسية المنافسة.

وفي تلك الحالة من النزاع (الحكم التسلطي التنافسي)، فإن السلطة الحاكمة لا تستطيع أن تتخلص كلية من المعارضة، كما لا تملك الالتزام الكافي بالقيم و المبادئ الديمقراطية. و تتسم الفترة بتوتر انتخابي حقيقي إذ في النظم التسلطية التقليدية لا يوجد انتخابات تنافسية على الإطلاق(كوبا، و الصين، و كازاخستان، …) حيث تحظر المعارضة، و ينكل بالمعارضين. وهي بحسب د. معتز عبد الفتاح(ص246 من مصدر1) الانتخابات التي تفرز نتيجة أكثر من 80%.

ثم، في النزاع التسلطي التنافسي تتوتر العلاقة بين النخبة الحاكمة و المؤسسة التشريعية و كذلك القضائية، وقد يتم إياءة استغلال مؤسسات الدولة لتمرير قوانين بعينها مثلا تؤيدها النخبة الحاكمة.

في ضوء هذا الفهم، فإن حالة المؤسسية الظاهرية التي حرص عليها حسني مبارك، كانت قد جهزت مصر للانتقال للمرحلة الحضارية الثانية: الحكم التسلطي التنافسي. و ثورة 25 يناير كانت مجرد حافز “الطلب” الشعبي على الانتقال لمرحلة ديمقراطية ليبرالية كاملة. بيد أنه مع حكم المجلس العسكري كما هو متوقع في تلك الفترة بحسب التنظير أعلاه، لم يتمكن المجلس العسكري من إلغاء المعارضة، فاضطر لضغوط خارجية و داخلية التعامل مع المعارضة في لعبة شفافة برقابة خارجية و داخلية. وهو ما وصل بنا لأول حاكم مدني منتخب.

حكم محمد مرسي، أيضا اتسم بتوتر في علاقته و السلطة القضائية، ولو دانت له السلطة التشرعية بسبب تشكيل الأغلبية (48%) التي كان يمثلها حزبه. أي أن فترة حكم محمد مرسي أيضا تقع في تلك الدائرة من “الحكم السلطوي التنافسي”. خاصة مع ذكر الإعلانات الدستورية الصادرة من المجلس العسكري قبله، و كذلك ما صدر في فترة حكمه.

حتى هذه اللحظة، بموجب التنظير، فإن مصر تسير بخطى ثابتة في اتجاه الديمقراطية الليبرالية التي تبشرنا بها كتب العلوم السياسية و دراساتها. ولكن مع حدوث الانقلاب العسكري، تم حل كل تلك المؤسسات، و تم وأد المعارضة بالكلية، و عدنا للنتائج “التسلطية التقليدية” أي ما فوق ال 80% إجماع شعبي، و تم تجاوز العديد من المؤسسات. و التضييق البدني و المعنوي على أغلب المعارضين.

أي أن الانقلاب العسكري، على تلك الشاكلة أخذ بناصية مصر، مرة أخرى لنقطة الصفر الحضارية.
ومع حلول موجة ثورية ممانعة لفكرة الانقلاب العسكري، أو الحكم العسكري إجمالا، ومع استشراقنا للمستقبل كثلاثة مراحل، مازلنا في أولهم، أو مع تواجد الانقلاب العسكري، نحن فيما قبل الديمقراطية أساسا… نطرح بضعة أسئلة:
-هل هذا الانقلاب العسكري الأخير في مسار التقدم الحضاري؟
-هل سيحكم العسكر أبدا؟
-متى نحصل على تلك الديمقراطية “المستقرة”؟

ومع تلك الأسئلة نعي أننا في سياق حضاري، و أنه بوعينا بذلك السياق، فإنه بإمكاننا التأثير فيه، و التعجيل بالانتقال من نقطة حضارية لأخرى دون تباطوء أو كسل أو إحباط. و في نفس الوقت لا نفرط في الأمل… و على ذلك نراجع تجربة تركيا.

——————————————————————–
ثالثا: معرفة الموقع الحضاري الزمني بالمقارنة مع تجربة تركيا
——————————————————————–
ربما مراجعة الخط الزمني للتجربة التركية تجيب مباشرة عن بعض الأسئلة. مُنيت تركيا بأربعة انقلابات عسكرية من الخمسينات. ولكن يعنينا أكثر في هذا المقام الفترات التي استمر فيها الحكم مدنيا خالصا، و الفترات التي استمر فيها الحكم عسكريا سواءا بشرعية انتخابية (تسلطي تنافسي) أو بشرعية الانقلاب العسكري. (مصدر 3)

إذ يفقد الانقلاب العسكري قاعدته الشعبية، بمجرد قتل فكرة الانقلاب، أو الحكم العسكري للمدنيين. فكم عاما أخذت تركيا في هذا المسار، متنقلة ما بين الحكم السلطوي العسكري، إلى أن وصلت للحكم التنافسي السلطوي، و أخيرا الحكم الديمقراطي المنشود؟

بمراجعة الرسم البياني المرفق مع المقال، نجد أن تركيا حتى مطلع التسعينات لم تحظ بفترة متواصلة من الحكم المدني، و لكن دوما حاكم عسكري. و أنه حتى تحصل تركيا على الحاكم المدني، فإنها مرت بثلاث دورات حضارية زمينة تتقلص فيها من الواحدة لأخرى الفترة الزمنية التي يقبل فيها الشعب الحكم العسكري.

كل ما قمت بفعله، هو متابعة الخط الزمني لقبول الناس بفكرة الحاكم العسكري، بغض النظر عن طريقة وصوله للحكم. و وجدت أن فترة الانتقال من حكم عسكري لمدني، آخذة في التقلص، في ثلاثة كتل واضحة كما هي مرقمة في البيان (رقم 3: دورة حضارية). حيث كل دورة حضارية تشمل انتقالا للسلطة من رجل ذو خلفية عسكرية، لحاكم مدني. ومع كل حاكم مدني، يتم الانقلاب عليه عسكريا و يعود الحكم لل “تسلطية التنافسية” ثم يأتي الشعب بحاكم مدني منتخب مرة أخرى.

نجد أن قبول الناس (الضغط الداخلي) يتغير مع الزمن، و يؤثر بشكل مباشر في عدم قبول رجل ذي خلفية عسكرية. و استبدال ذلك برجال مدنيين بغض النظر عن الانتماء الحزبي.

كل ما سبق، مع الفهم بأن الانقلاب العسكري وارد مرة أخرى، ولكن لأن الوعي الشعبي و كذلك النخب وصلت لمرحلة حضارية بعينها، فإن ذلك أيضا لن يستمر. ثم، بناء المؤسسات المستقلة و المعارضة إلخ، ووجود مجتمع حيوي نشط فكريا تؤدي بالضرورة للتغيير. مجرد دورات حضارية.

————————————
رابعا: الخلاصة
————————————

1. الانقلاب العسكري الحاصل بمصر، اعاد مصر للوراء في الخط الحضاري، لبدايات الحكم السلطوي التقليدي.
2. ثورة 25 يناير 2011 نقلت مصر فعلا، و حطمت جزءا من “التسلطية التقليدية” و نقلتنا لنقطة حضارية جديدة “التسلطية التنافسية”.
3. كل ما مر على مصر من انتقال بين الحالتين (تسلطية تقليدية، ثم تسلطية تنافسية، ثم تسلطية تقليدية مرة أخرى) مجرد دورة حضارية واحدة. أي أن مصر أمضت 60 عاما في دورة حضارية واحدة.
4. الانقلاب العسكري يبدأ دورة حضارية جديدة، ستنتهي مادامت الفكرة الأساسية “اسقاط الحكم العسكري” أو المطالبة بحاكم مدني قائمة. حينها نبدأ مرحلة جديدة في نفس الدورة الحضارية، لحين الانقلاب التالي!
يعني يجب على جموع الشباب اسقاط فكرة “الحكم العسكري” و مكافحتها طول الوقت.

5. لنصل لتلك المرحلة التي تنعم بالاستقرار، بحسب أدبيات العلوم السياسية، نحتاج دورتين انتخابيتين (أي 3 رؤساء) مدنيين منتخبيين متتاليين. في تركيا حاليا يعيش 3 رؤساء جمهورية سابقين، منهم واحد فقط عسكري، وهو من تم استبداله انتخابيا بمدنيين.

6. كل ما يفعله الحراك الجماهيري الثوري، هو التعجيل بنهاية الدورة الحضارية الحالية، و الانتقال للنقطة التالية. أي أن حجر الزاوية سيظل دوما أن يصل للوعي الجمعي للشعب، أن الحاكم المدني أفضل من الحاكم العسكري. و أن يتم قتل فكرة الحكم العسكري تماما في رأس العامة مع الوقت. و أن يتم فصل مؤسسات الدولة، و تمكينها، و تمكين العمل المجتمعي، بما يسمح بتواجد صراع سياسي أولا، ثم تواجد صراع سياسي بناء في “تيار أساسي” واحد. (مصدر 6).

الثورة هي ما يقوم به جيلنا، ليذكرنا أولادنا بأننا كنا جيلا على قدر المسئولية. و أننا أخذنا بيد الوطن على الطريق الذي نظن أنه يأتي بالرفعة و التقدم.

الثورة هي مسئولية الجيل. ثورة على الأفكار الرجعية، ثورة من أجل الحرية و التمكين المجتمعي، و العدالة الاجتماعية.

لن تصل الثورة لكامل أهدافها في يوم و ليلة. هو صراع أجيال مستمر. كل أملنا أن يمضي عمرنا و نحن على الطريق السليم… بأقصى سرعة ممكنة. ربما ينعم أحفادنا بتلك النعم التي نحلم بها:
الحرية. السلام. السعادة.

تخيل نفسك دوما في تسبح قهرا في مجرى نهري، سيجري الماء دوما حتما، لن يتوقف، ولو فقدت أنت الوعي، ولكن مجرد الوعي بموقعك من النهر، من سريانه، كاف لأن تأخذ قرارا تاريخيا حاسما بالحركة سيتعلق عليه أمر حياتك، مستقبلك، و مستقبل أجيال كثيرة من بعدك.

الثورة حياة.

دمتم،
د. أحمد عبد الحميد

———————
المصادر:
———————

مصدر1: بحث د. معتز عبدالفتاح ميدانيا وألف دراسة عن “المسلمون و الديمقراطية” نشرتها دار الشروق في كتاب، خلص فيها (ص242-250) لتلك المراحل و لخصها المقال في الجزء المذكور أعلاه، كما هو وارد في دراسة الدكتور.

مصدر2: ليفيتسكي و واي: صعود التسلطية التنافسية، مجلة الديمقراطية، العدد 13، ص51-65 بحسب كتاب د. معتز

مصدر3:
http://en.wikipedia.org/wiki/List_of_Presidents_of_Turkey

تعقيب4:
نعلم أن دكتور معتز، لا يوافق فعله علمه، ولكن نأخذ من النظريات، و من علمه ما ينفع، ووحده الله يجازيه بما في قلبه و ما اقترفه.

مصدر 5:
http://en.wikipedia.org/wiki/President_of_Turkey

مصدر 6:
راجع فكرة “نحو تيار أساسي” للمستشار طارق البشري

المصادر جزء لا يتجزأ من المقال، يرجى عدم حذفها، حال لزوم نقل المقال لنشره على أي موقع.

Comments

comments