1525463_10200958990367737_1625047123_n

في مصر، نحن على وشك الانتهاء من الدورة التاريخية الحالية”. أعترف، فهم هذا الموضوع و الكتابة فيه بصورة مبسطة على قدر المستطاع كانت أصعب كثيراً مما توقعت، ربما لأنني لم أتعامل مع موضوعات مشابهة من قبل، لكن انتهيت على كل حال. هل يمكن أن ندرس التاريخ بإستخدام الرياضيات؟ هل يعيد التاريخ نفسه؟ كيف لحكومة أقوى دولة في العالم أن تكون على وشك الإنهيار؟ ما الذي يحدث في الحقيقة في مصر؟ هل النظام الديموقراطي هو “فعلاً” طوق النجاة؟ ستفهم قصدي من الجملة الأولى بعدما تنتهي من القراءة، ولك بالطبع أن تتفق أو تختلف. أيضاً ان كان هناك تصحيحات أو شئ ما أرجو تنبيهي إليه.

هناك شيء ما حتمًا ليس على صواب. الطريقة التي يتحرك بها العالم نحو فوضى عامة، وانقلاب حتمي في قواعد اللعبة لا تبدو مصادفة.

مثلاً، بسبب صراع بين حفنة من الرجال بأيديولوجيات مختلفة (أوباما ومجلس الشيوخ ذو الأغلبية الديموقراطية من جهة، ومجلس النواب ذو الأغلبية الجمهورية من جهة أخرى) قامت الحكومة الأكثر قوة على وجه الكوكب، نبي مليار دولار 24 عاماً، والذي أدى لخسائر مالية مباشرة تقدر بـ 71الديموقراطية المزعوم، بإغلاق أبوابها للمرة الأولى منذ تريليون دولار للمرة الأولى في التاريخ، والذي لا يهدد الإمبراطورية 71أمريكي. ثم أزمة الديون التي وصلت لسقف الاقتصادية والسياسية لأمريكا فحسب، بل يضع العالم على شفى أزمة مالية أخرى.

كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟ هل يمكن التنبؤ بنقاط الاختناق تلك قبل حدوثها؟ هل أنظمة الحكم الحالية صالحة بالفعل؟

الصورة الكبيرة

ليست حكومة الولايات المتحدة هي الحكومة الديموقراطية الوحيدة التي يراها مواطنوها عديمة الفائدة، هناك أيضًا اليونان ومصر (بفرض أنها ديموقراطية!). الأسوأ من ذلك، أن النظريات السياسية والاجتماعية الحالية، والتي يتشدق بها مَّدعوها، لا تفسر أي شيء على الإطلاق. فهل يستطيع العلم؟

نحن لا ننظر للحكومات عادة على أنها لا تقع ضمن نطاق العلوم الطبيعية، لكن هناك عدد متزايد من العلماء يعتقدون أنها يجب أن تكون كذلك. من وجهة نظرهم، فإن التاريخ البشري يخضع لقوانين الطبيعة، تمامًا كما تخضع لها المحيطات مثلاً. وعلى هذا، فإن الرياضيات التي تم تطويرها لفهم مثل هذه الأنظمة المعقدة يمكن استخدامها في تفسير كيف تعمل المجتمعات البشرية، ولماذا لا تعمل في بعض الأحيان.

كليودايناميكس

بالرغم من وجود محاولات فردية منذ أيام ابن خلدون، إلا أن النقلة الحقيقية للدراسة الرياضية للتاريخ كانت على يد “بيتر عندما صاغ اسما لأحد العلوم الجديدة الذي يدرس التاريخ من زاوية مختلفة تمامًا عن كل ما سبقه، 2002ترتشين” في “كليوديناميكس”. أقرب ترجمة للعربية هي “علم النمذجة الرياضياتية للديناميكا التاريخية”.

يقع هذا العلم في منطقة التقاطع بين: العلوم الاجتماعية التاريخية ذات المدى الواسع، التاريخ الاقتصادي، النمذجة الرياضية للعمليات المجتمعية طويلة المدى، ثم علوم بناء وتحليل قواعد البيانات التاريخية.

طور ترتشين هذا العلم كوسيلة لدراسة التاريخ من ناحية نظرية تحليلية، وذلك بالعمل على استخلاص “الأنماط والقواعد” التاريخية من الصورة الكلية، ثم استخدامها بعد ذلك في عمل واختبار نماذج رياضية لديناميكية التاريخ.

تحديداً، يبحث عن العوامل التي تؤثر في تطور الإمبراطوريات التاريخية، ثم انهيارها وفناءها في النهاية.

لكن ما معنى “ديناميكية التاريخ”؟

بين التاريخ والرياضيات

أي تتغير مع الزمن . مثلاً، يتغير عدد السكان باستمرار بالزيادة أو النقصان، ،العديد من العمليات التاريخية ديناميكية يتمدد الاقتصاد أو ينكمش، تنهض دول وتنهار أخرى، وهكذا.

هناك طريقة معينة تم استخدامها بنجاح في معظم العلوم الطبيعية عند التعامل مع مشاكل مشابهة، وهي أن يتم جلب الظاهرة الكلية محل الدراسة ثم تقسيمها عقلياً إلى عدة أجزاء تتفاعل مع بعضها البعض، وبهذا نختزل مجهود دراسة الظاهرة في فهم طبيعة التفاعل بين هذه الأجزاء .الوصف الرياضي لهذا التفاعل يسمي “نمذجة رياضية”. الآن بذلك النموذج الرياضي نستطيع اختيار أيًا من الوسائل المختلفة المتاحة لدراسة سلوك هذا النظام والتنبأ بحالته المستقبلية .

أيضًا يمكننا أن نقارن بين النتائج التي نحصل عليها من هذا النموذج والنتائج الحقيقية التي نحصل عليها من الواقع.

انهيار الإمبراطورية الرومانية”. الأجزاء المتفاعلة مع بعضها “في حالة التاريخ، فإن الظاهرة محل الدراسة قد تكون مثًلا كما سنرى بالتفصيل-قد تكون أشياء مثل (النسبة المئوية لمن يملكون أكبر قدر من رأس المال، مؤشرات –البعض الصحة العامة، الحد الأدنى للأجور..الخ). التفاعل بين هذه العناصر يظهر بصورة رئيسية في شكل تأرجح الاستقرار السياسي للبلد موضع الدراسة خلال فترة محددة.

الأنماط التاريخية التي تم استنباطها من دراسة انهيار دول مختلفة في عصور مختلفة أشار إلى حقيقة ما، دائمًا ما كنا نقولها لكن دون اثبات “علمي” بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، التاريخ يعيد نفسه.

سَمسارا

أولئك من يمتلئون بأنفسهم حد العمى، أولئك من يتملكهم الجشع وتقودهم الغرائز، حُكم عليها بألا يخرجوا من الحلقة للأبد.

“سَمسارا” هي كلمة سنسكريتية تعني حرفيًا “التدفق المستمر”، وتترجم اصطلاحًا بـ “دورة الوجود”. يُعد هذا المفهوم أحد أُسس نظرة البوذية للعالم؛ حيث يشير إلى دورة المعاناة الأبدية التي تمر بها الكائنات، والمتمثلة في الميلاد، الموت ثم الميلاد من جديد في أحد عوالم البوذية الستة، والتي يرتبط كل منها بمعاناة من نوع محدد بناءً على أعمال الفرد في العالم السابق، أو “كارما”. الخروج من هذه الدورة الأبدية يتأتى بإخماد نيران الرغبة، الكراهية والأوهام، مما يضمن الوصول لـ “نيرفانا”، أو حالة السلام الداخلي التام.

بالرغم من أنني كمسلم لا أؤمن أن الحياة تعمل بهذه الطريقة “الفانتازية”، إلا أن الرياضيات تشير إلى أن التاريخ الذي يصنعه البشر (أو ربما فقط يحيون خلاله؟) يكاد يتطابق مع هذا المفهوم، شيُء أطلقت عليه “سَمسارا التاريخ”.

اكتشف ترتشين وجود “دورات تاريخية” من الاضطرابات السياسية والانهيارات التي تعصف بالدول -بدءًا من الرومان وانتهاًء بروسيا -والتي يستمر كل منها من قرنين إلى ثلاثة قرون. يشير ترتشين أيضاً إلى أن دورات مماثلة موجودة في تاريخ الولايات المتحدة.

بنى ترتشين نظريته على نموذج رياضي يضم بيانات اقتصادية واجتماعية. وعلى عكس النظريات السياسية والتاريخية التقليدية، فإن هذه النظرية قابلة للاختبار للتأكد من صحتها . بتطبيق رياضيات الأنظمة المعقدة، توصل ترتشين لما يعتقد أنه الظروف طويلة المدى التي أدت في النهاية لإغلاق الحكومة الأمريكية. السطور القليلة القادمة وإن كانت تتخذ من الولايات المتحدة نموذجًا للتطبيق، يمكن تعميمها.

دورة الفناء والبعث

يمثل طبقة العمال (أو الموظفون) الشريحة الأكبر من أي مجتمع، مع وجود أقلية صغيرة من أصحاب الأعمال ممن يستحوذون على النسبة المئوية الأكبر من الدخل. بعمل نمذجة رياضية للبيانات التاريخية، وجد ترتشين أنه بازدياد النمو السكاني، يتخطى عدد العمال عدد الوظائف المتاحة، وبالتالي تقل المرتبات. في النهاية تزداد النخبة الغنية غنى، وتبدأ اللامساواة في الارتفاع بجنون. بالنظر لتاريخ الولايات المتحدة، فإن متوسط المرتبات قد توقف عن الارتفاع منذ عام ، هذا بالرغم من أن الناتج الاقتصادي الكلي في حالة ازدياد مستمرة. 7710

خلال هذه العملية، يطرأ العديد من التغيرات التي قد تبدو في مجملها جيدة، مثل سهولة الوصول لتعليم عاِل أفضل.

الأمر الذي يسمح لعدد صغير من طبقة العمال بالالتحاق بالنخبة وبالتالي رفع طبقتهم الاجتماعية. ينتج عن استمرار هذه العملية لفترة من الزمن ما يُطلق عليه ترتشين “الإنتاج المفرط للنخبة”، والذي يؤدي في النهاية لأن يتخطى عدد الأفراد ضمن النخبة عدد وظائف القمة المتاحة، وهنا تصبح المنافسة “أكثر قذارة” على حد تعبيره.

في أي نظام معقد، فإن المميزات المتوافرة تجلب فقط فوائد إضافية، وبالتالي فإن الأغنياء يزدادون غنى مرة أخرى.

تبدأ حرب شديدة بين النخب. بالرغم من أن الاختلافات الأيديولوجية دائمًا موجودة، إلا أن ” الإنتاج المفرط ،بعد ذلك للنخبة ” يفسر لما أن تلك الحرب بهذه المرارة؛ ذلك لأنه لا يكون لكلا الطرفين أي نية للمساومة أو الوصول لحلول وسط أو التنازل عن أي شيء، فقط السعي الجنوني خلف السلطة ومراكز القوة .أفضل مثال على ذلك هو الحال التي أوصلت لإغلاق الحكومة الأمريكية.

يحدث بالتوازي مع هذه العملية ازدياد مضطرد في سخط طبقة العمال التي تزداد عوزًا وفقراً بمرور الوقت، وتتزامن أيضاً مع ارتفاع مديونية الدولة مع ازدياد جنون نفقات النخبة ممن يتحكمون في خزينتها.

يصل الأمر في النهاية إلى النقطة التي يستحيل معها الاستمرار أو الحفاظ على النظام، عندها تنهار الدولة، وبذلك تنتهي تلك الدورة التاريخية، وتبدأ دورة جديدة.

قراءات من الواقع

، هل تبدو هذه النظرية غير واقعية؟ في الحقيقة لا، فالانحرافات المقاسة في متغيرات اجتماعية معينة (العرض العمالي مؤشرات الصحة العامة، اللامساوة في الدخل (الفجوة بين الفقراء والأغنياء)، سلوك وعدد النخبة) كلها تتحرك صعوداً والوصول لنقطة قمة في ، وهبوطاً بالتزامن مع التوقعات النظرية بالضبط. مع كل تضخم في عدد العمالة المتاحة اللامساواة الإقتصادية، تصعد موجة من العنف السياسي.

تم بناء النموذج الرياضي الذي اعتمد عليه ترتشين من المتغيرات التالية: الناتج القومي لكل نسمة، نسبة الاتزان بين العرض والطلب العمالي، تغير السلوك الاجتماعي ناحية إعادة توزيع الثروات (مع الحد الأدنى للأجور أحد هذه المؤشرات).

، بما فيها 7720تلك الصيغة الرياضية ولدت منحنيات تتطابق تقريبًا مع التغير في الأجور في الولايات المتحدة منذ عام الارتفاعات والانخفاضات الحادة منذ الثمانينيات. هذا التوافق الاستثنائي هو شيء نادر في نطاق العلوم الاجتماعية، ويعني أن العناصر التي تم استخدامها في بناء النموذج الرياضي هي بالفعل ما يتحكم في ارتفاع اللامساواة كما هو متوقع.

أوضحت النتائج أيضاً إلى أن تأرجح الحالة السياسية خلال دورة تاريخية معينة يظهر على شكل “أطوار”، فترات هادئة حدثًا من أحداث العنف السياسي بين 7970 قصيرة نسبياً بينها فترات من الاضطراب السياسي. مثلاً، هناك مجموعة من .7790 و7220عامي

البيانات الاجتماعية التي تم جمعها عن العرض العِمالي، واللامساواة، والإنتاج المفرط للنخبة يتطابق مع هذه التأرجحات .7280 في الحالة السياسية، ويعتقد ترتشين أن هذه التغييرات الحادة تفسر سبب اندلاع الحرب الأهلية عام

تشير الإحصاءات أيضاً إلى أن الولايات المتحدة تمر الآن في طور جديد من أطوار عدم الاستقرار المتزايد، والتي بدأت عام تمامًا في نفس الوقت الذي بدأ فيه العرض العمالي يتجاوز الطلب، وهو ما تنبأت به النظرية أيضًا بطريقة ،7710 صحيحة.

أعراض بداية النهاية

هناك أعراض لتضخم اللامساواة والإحتقان المجتمعي، والتي تظهر جليًة مع بداية الأطوار النهائية للدورة التاريخية. إن تم تركها ولم يتم التصرف بشأنها بالسرعة الكافية، فأنها ستمزق المجتمع إرباً، وستتجه الأمور فقط للأسوأ.

أبرز هذه الأضواء التحذيرية هو ازدياد حدة الاستقطاب السياسي، وارتفاع مديونية الحكومة، وهو الحال في واشنطن الآن.

الأجور الفعلية، الحد الأدنى من الأجور، قمع النقابات العمالية، نسبة الثروة التي يمتلكها الأغنى ممن يمثلون نسبة هامشية من المجموع السكاني، ثم الصراعات على المناصب القضائية. كل هذه الأشياء تتغير في نفس الوقت الوقت بما يشير لازدياد مضطرد في حالة عدم التوافق المجتمعي.

. بالرغم 2070 و7710 بالإضافة لكل ما سبق، فإن طبقة النخبة قد نمت بصورة حادة في الولايات المتحدة بين عامي من أن المصاريف الدراسية قد ارتفعت، إلا أن عدد الأطباء و المحامين المؤهلين قد تضاعف ثلاثة مرات.

تشير الاحصائيات إلى أن ما يصفه ترتشين “بالصدمة الحقيقية”، وهو أن متوسط أطوال الأمريكان قد وصل لأقصاه في

، ثم بدأ في التناقص، وخاصة في النساء السوداوات، مما يدل على عدم توفر القدر الكافي من التغذية بسبب 7719عام انخفاض الدخل.

يمكننا تلخيص كل ما سبق في جملة واحدة: ما تتساوى فيه كل المجتمعات المقبلة على النهاية، هو “اللامساواة”.

الديموقراطية هي الحل؟

مع New England Complex Systems Instituteيتفق “يانير بار يام” من مؤسسة نيو انجلاند للأنظمة المعقدة ما توصل إليه ترتشين بخصوص الدورات التاريخية، لكنه يشير إلى أن هذه الأبحاث تلقي الضوء على شيء آخر أيضاً:

ساعدت التكنولوجيا الحالية على خلق مجتمع شديد التعقيد شديد الاتصال ببعضه البعض، للدرجة التي نستطيع القول فيها أن الأنظمة الديموقراطية الحالية شديدة البدائية لأن تحكمه، ذلك لأنها صممت أساساً للتعامل مع عالم أقل اتصالاً.

يقول أيضاً أن انهيار الاتحاد السوفيتي لم يكن نهاية القصة، بل هو فقط البداية. كان لحكومة الولايات المتحدة أن تنهار هي الأخرى لو لم يختر مواطنوها التأقلم مع نظام الحكم الناشئ في تلك الفترة، المتمثل في شبكة من المؤسسات اللامركزية المتصلة ببعضها البعض، والذي كان أكثر ملائمًة للتعامل مع درجة التعقيد التي وصل إليها المجتمع.

يتفق “ديرك هلبينج” من المؤسسة السويسرية الفيدرالية للتكنولوجيا في زيورخ مع هذا الأمر أيضاً، حيث يرى أن ما نحن بحاجه إليه بالفعل هو نظام حكم مبني على “تدفق مؤسسي”، بما يسمح للسكان بالتعاون مع الحكومة بصورة مباشرة شخصية فيما أسماه “الديموقراطية المباشرة” باستخدام وسائل التواصل الاجتماعية الجديدة. يقول أيضًا أن هذا النظام يعمل بالفعل في دولة صغيرة مثل سويسرا، وأن الوقت قد حان لتصدير هذا النموذج لدول أكبر، حيث أن التكنولوجيا التي ستتيح هذا الأمر .

مصادر:

2722http://www.newscientist.com/issue/ http://en.wikipedia.org/wiki/Cliodynamics http://escholarship.org/uc/irows_cliodynamics

http://www.futurict.eu/

Comments

comments