تعقيب سها همام: الفروسية

عن الخطأ النسبي الذي يُدفع به خطأ أكبر، عن مفهوم “الفروسية” الذي لم يعد عملة رائجة، عن فكرة الفصائل و فصيلنا الذي معه كل الحق و غيرنا “الخائن” .. كلها أفكار تدفقت لرأسي ليس من متابعتي للأزمة المصرية الراهنة و ان كانت ظلالها جاثمة في رأسي، و انما من قراءتي لكتاب أمير الظل بناء على ترشيح الصديق المبدع دوما حتى و ان اختلفت معه أحمد عبد الحميد.

الكتاب يتناول السيرة الذاتية لعبد الله البرغوثي القائد السابق لكتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس و المحبوس انفراديا منذ عشر سنوات في السجون الاسرائيلية.

لا يسعك و انت تفتتح الكتاب الا ان تتعاطف تلقائيا مع المقاوم المجاهد المحروم من وطنه منذ الطفولة، الحالم بتحريره من عدو فاجر، الغاضب الساعي لملك أسباب القوة ليطرد المحتل من أرضه. لا يسعك الا أن تتحمس معه فالقضية قضيتك أنت أيضا و القدس وطنك كما هي وطنه.

ثم رويدا رويدا تسمع أزيزا في رأسك يطن فيفسد عليك حماسك.

يقص الكاتب بضع مغامرات من حياته و كيف تحايل على القانون في كوريا ليتعلم فنون خداع العدو، كيف زور الهويات، كيف فك شفرة أجهزة الحاسب في المصنع الذي كان يعمل به ليخترق الشبكات و يجري اتصلات دولية بالمجان .. فتسمع أول أزيز!

يخبرك كيف كانت قوته خارقة و كان لا يقبل الخطأ في الذات الالهية و لذا ضرب في أكثر من مناسبة من يسب الدين ضربا مبرحا حتى نقل أحدهم للمستشفى للعلاج و حين رفض التنازل عن دعواه هدده بالقتل كي يتنازل .. فيرتفع الأزيز!

يسرد تفصيلة تبدو تافهة عن أولى تجاربه في التفجيرات التي نفذها على حمار فحوله لأشلاء .. فتسري بجلدك قشعريرة باردة.

يقص عليك تفاصيل القضية و يؤلمك الظلم الواقع على أهلنا في فلسطين بشدة. لكنه حين يحكي يقسم شعب فلسطين لمخلص للقضية لا يبيع و لسلطة خائنة عميلة. لن أجادل في عمالتهم لاسرائيل فغالب الظن من مواقفهم المتكررة أن السلطة الفلسطينية بالفعل باعت القضية. لكني اندهشت حين دلل من ضمن ما دلل على خيانتهم بقبولهم لحدود 1967 كمرجع للمفاوضات. الحاصل الان أن قياديين في حماس أبدوا استعدادهم للتفاوض على حدود 1967 فهل نعتبرهم خانوا القضية أيضا؟

 يحكي عن عقابه للعملاء الذين وشوا بالمقاومين فكانوا سببا في عمليات نفذها الاحتلال و راحت فيها أرواح طاهرة. كان يجعل عقابهم من جنس العمل. فمثلا ان تسببت وشايتهم في هدم بيوت على أصحابها فعقابهم هو الدفن أحياء .. فتعود القشعريرة و تتساءل عن حدود السلطة التي نعطيها لأنفسنا أحيانا باسم الحق و الدفاع عن القضية.

يروي بفخر نضالاته كمهندس لتفجيرات و عمليات انتحارية ضد العدو. تتفهم جدا عملياته ضد الأهداف العسكرية، قد تقبل على مضض تفجير لمقهى ملاصق لمبنى حكومي يضم موظفي شارون، لكن رأسك يطن من تفجير في مطعم ايطالي نسى أن يخبرك في تفصيلاته أنه قطف أرواح سبعة من الأطفال .. أطفال العدو نعم .. المجرم الفاجر نعم .. قاتل أطفالنا نعم .. لكنهم أطفال! لا أذكر في أي درس دين علمونا ان قتل الطفل جائز تحت أي ظرف.

تنهي الكتاب الذي يفترض أن يلهمك، أن يلهب حماسك للقضية و أنت تسأل -ان كنت مجنونا مثلي- عن معان الفروسية التي لم تعد رائجة، عن الغاية التي تبرر الوسيلة، عن فصيلنا الذي معه الحق كل الحق و الفصيل الخائن .. و في الخلفية صورة مصر و نفس الأسئلة الحائرة.

بأمانة شديدة لا أطالب أحدا أن يفكر مثلي فقد أثبتت لي الدنيا مرة تلو أخرى أنني خيالية بشكل يفوق الاحتمال، و أن الصدمات دوما تنتظرني. لكني فقط أطلب حين يجرفنا الحماس لعدل قضية لنا فيها الحق كل الحق ألا نغفل التفاصيل. ربما الأنسب أن نسأل أنفسنا لو كان محمدا ها هنا ترى ما كان يفعل؟

تعقيب أحمد عبد الحميد: عمليات استشهادسة أم انتحارية

أتفق ابتداءا في ازيز كوريا، خصوصا ازيز “السرقة” ليجري مكالمات هاتفه، ليست من الأخلاق في شيء.

اتفق أيضا أني كنت مثلك حتى قراءة وجهة نظره في العمليات الاستشهادية كما يحب أن يسميها، و اسميها انا “انتحارية”

أذ لم افهم سببا واضحة لماذا يفعل ذلك في الوقت الذي بإمكانه التفخيخ و كفى… و هو ماهر بذلك اساسا. اقصد لا حاجة لأن يكون من طرفه شخص “استشاهدي”، طالما جميع الفريق يدخل و يخرج و يتحرك بسلاسة… كما حدف في قنبلة السوق الصغيرة.

هناك بعد، آخر لم افهمه إلا منذ يومين، استضفت بعض الاصدقاء من حملة الهوية الزرقاء، اسرائيليين يعني، لديهم قرى فلسطينية يتم هدمها تماما ثم يعيدها اهلها مرة أخرى من الصفر. احد القرى بقيت على هذا الحال اكثر من 40 مرة… تهدم، و يعيدها اهلا (حملة الباسبور الأزرق ايضا). بخلاف كم من المشاكل في المرافق العامة، و الهوية … إلخ. ربما إقامتنا نحن في اوروبا و أمريكا، لا تجعلنا “نفهم” اصلا ما يعيشه هؤلاء.

في اختياره للعمليات، تجدي اغلبها ضد عسكر، أو موظفي شارون… ولا تنسي، انه نفس الرجل الذي منع اثنين من عمليات “استشاهدية” لأنه رأى انها “انتحار”… الصورة اعقد بكثير من تحليلها ابيض و اسود كما فعل هو ، أو انت.

و أهم جزء حضرتك تتغاضي عنه، انه لا حكومة ولا نظام اصلا في فلسطين، يعني بالقياس تقدري تقولي انه كان بيمثل “جهاز المخابرات” ، بينما آخرين قوات الصاعقة، و آخرين الذراع السياسي لحماس نفسها. يعني… هم كعملاء السي آي ايه… كم من الأهوال فعل عملاء السي آي ايه بدعواي الأمن القومي الأمريكي؟ كم أمة ضاعت بسبب تلك الأعمال؟

رأيتي جزء أهم، هو لا يقتل لمجرد القتل، غالبا هناك هدف “سياسي” خلف تحركاته… بعض التفكير و قد تنتهي لأنه فعلا جزء من “نظام سياسي موازي” في بلد لا يوجد فيها نظام سياسي و لا عسكري اصلا يدافع عن ارضه. طبيعة عمله، هي نفس طبيعة عمل “القاتل الاقتصادي” الذي اغتال احلام أمم بأكملها بعمليات اقتصادية استخباراتية… ما الفرق؟ لم أر نفس التعليق منك مثلا على كتاب بيركينز الذي سعدتي بلقاؤه… وهو قاتل مجرم أسوأ من عبد الله البرغوثي بمعايير حكمك.

الدنيا تستعصي على التبسيط

تعقيب إنجي فوده: تكنولوجيا المقاومة

خطاب ابنته و حواره معها فطر قلبي ::(((
جعلني أبكي كثيراً
و أتسائل أيضاً كثيراً و أحاسب نفسي عسيراً…

لم أنبهر كثيراً بالعمليات المكتوبة لأني كنت في هذه الأثناء و تحديداً في تلك السنين المذكورة متابعة يومية لموقع القسام و كنت أشاهد أمثلة من الفيديوهات المذكورة في الكتاب بعد رفعها ربما بدقائق
أذكر صراعي مع نفسي في محاولة الاتصال بهم و أذكر خيبة أملي حين فشلت في ذلك و كرهي لذاتي حينها
قلت بالتأكيد ذنوبي تحجبني الشهادة!! :((

لازلت أذكر حواري الصامت مع هؤلاء الشهداء الملثمين، كنت أود لو أعرف قصة كل واحد منهم، كنت أود أن أسمع تفصيلاً كيف يقومون بها، كنت أريد أن أعرف كيف وصلوا لهذه الدرجة العالية من اليقين؟
كنت أريدهم أن يجيبوني و يقولوا لي هل مني أمل أن أكون شهيدة؟
هذا الكتاب أجاب لي علي بعض التفصيلات التي شغلت بالي طويلاً

يحيي عياش ظل فتي أحلامي لعدة سنوات و أنا في المرحلة الثانوية!! لا زلت أحتفظ بملفه الذي جمعت به كل خبر كُتب عنه و كل صورة وجدتها له!!
لا زلت إلي الآن قلبي يدق كلما رأيت صورته!!

دائماً ما كان يسحق رأسي سؤال: لماذا لم تتحرر فلسطين و بها و لها كل هؤلاء الأبطال!!
الآن بعد مرور كل هذه السنوات و بعد أن قرأت هذا الكتاب، أستطيع أن أتصور لماذا
هناك مشهد في فيلم انديانا جونز يدور عن مصري عملاق بسيف بتار يظهر للدكتور جونز أثناء وجوده بمصر و يظل يهلل و يزأر فيخاف الجميع و يبتعد و يبدأوا بالترحم علي دكتور جونز الهزيل الجسم
و لكن جونز بمنتهي اللا مبالاة يخرج مسدسه و يقتل الرجل بطلقة واحدة
انه فرق التكنولوجيا!! أتصور انه عن قريب ستكون الحروب دون بشر من الأساس بل أقرب إلي الفيديو جيم و من يسحق أجهزة و معدات و قطع أكثر من الآخر ينتصر
من سنتين قرأت مقالة علمية عن أبحاث يقوم بها أستاذ في جامعة تل أبيب عن تصنيع: روبوتات في شكل و حجم الذبابة
و قال بمنتهي الوقاحة في المقالة انه سيطور هذا الروبوت ليصبح قنبلة ليقتل بها القادة المتخفين!!
إلي تاريخ نشر المقالة كان نجح فقط في امداد هذه الذبابة الروبوتية بالكاميرات و السماعات و ذكر انه تم بالفعل استخدامها في التجسس و كشف العديد من القادة و العمليات و احباطها قبل حدوثها

بعد مرور كل تلك السنين رأيي المتواضع أن الحل ليس في العمليات الاستشهادية و لا في عدد القتلي و لا حتي في مكانة القتلي
بل في تطوير تكنولوجيا المقاومة لتوازي تقدم تكنولوجيا العدو و تغيير استراتجية العمليات الاستشهادية إلي عمليات استنساخ حتي يكون هناك مئات المهندسين علي الطريق و ليس كل عشر سنين واحد فقط

رحم الله شهدائنا و جعلهم السابقين و نحن اللاحقين و جمعنا و اياهم في الجنة امين!
http://www.goodreads.com/book/show/16082357

Comments

comments