في لحظة ما بائسة، حل عليّ سلام نفسي غريب، تناسيت كل الهم .. البؤس .. والضائع من العُمر .. وخيبات الأمل التي لا تنتهي .. وحتي ما سوف يأتي من أعماق محيطات المآسي التي لا تنفذ أبداً، حل علي سلام تذكرتُ به تلك الحقيقة البديهية تماماً عن أن المعركة، أي معركة من أي نوع وبين أي أطراف، مستمرةٌ إلي نهاية العالم .. حتي أولئك المحايدون ليسوا بمأمن، يلفحهم هواء المعارك الساخن، وليس بيدنا _لنوقفها_ شيء .. أي شيء ..

في تلك الليلة الهلامية المُتخيلَة في ذهن كل مؤمن، وبنسمات رقيقة ذات رائحة حُلوَة معطرة، يتنزل الرجل الأبيض المائل للحُمرَة من السماء بثقة من كُلِّف بأمر إلهي وبهدوء، لأماكن النزول روايات عدة .. القُدس .. باب اللد .. الجامع الأُمَويُّ .. أو شرق أقدم عاصمة في العالم .. ما بين فلسطين أو دمشق فقط تقع الملحمة ..

بعد قتل المسيح عليه السلام للمسيخ بآخر ضربة في جسده الذائب، وبعد تخليص العالم من كابوس الدجال الأكثر بشاعة، يستتبُ الأمر في الأرض لعددٍ غير معلومةٍ دقتهُ من السنين، تحيا الأرض في سلام تام حتي لا يكون بين أي إثنين عداوة بأي شكل كان ..

من بين كُل علامات الساعة، كُل الأمور غير المتخيلة والمعمعة الكُبري حينها، تمثل فترة السلام التي سيحياها العالم حُلماً أسطورياً للكثير من المتألمين ..

تَتُوقُ النفوسُ المرهقةُ حد الثمالة للحظة سلامٍ خالصة بلا أي شائبة ، بلا أي مرور مُربك لقوارب الناس أو إلقاء لأحجار المُتطفلين في مياه بحيرة الروح المستكينة هاهنا، هاهنا في لحظة كونية نادرة لا تأتي في العُمر مرتين ..
لكن الحياة _ من ذلك _ أشد وطئاً وليست بأقوم قيلاً .. كيف يُمكن الوصول لهذه اللحظة وسط ثنايا الروح التَعِبَة المنهمكة في معارك لا تنتهي .. بين الحق والباطل، بين الحق والحق، بين ما نظنه حقاً وما نظنه باطلاً، وبين الباطل وأخيه الباطل ؟

التأمل في القرآن عملية رائعة الإلهام، من بين قصص القرآن جميعها، من بين كتاب كاد أن يكون مرسلاً ليقص علينا بشكل مباشر ما يريدنا الله تعالي أن نعرفه عن بني إسرائيل، من بين كل ذلك تختبيء الإجابة في صدر سيدنا نوح، وفي قلب الحبيب مُحمد وعلي لسانه ..

للمنشاوي كعادته طريقة خاصة في تقديم المعلومة، بتكرار سماع قصة نوح آمنت أن العالم بحاجة لطوفان، عملية تطهير سريعة دقيقة ونظيفة، لكن هذا ليس كل شيء .. لأن ما قبل الطوفان دائماً هو رحمة .. وفي ثنايا العقاب أيضاً ..

ينثر المنشاوي سحره الخاص الذي لا يشاركه فيه أحد، ( وَيَصْنَعُ اَلْفُلْكَ ) .. مع آخر حروف الفلك شَرُدت .. برز هاهنا سؤال بديهي وروتيني تماماً ..
هذا نبي، والمُرسِل هو الله، إله بكل كينونته، كينونته العصية علي تصور أي بشر، الأقرب لهم من حبل الوريد، نبي .. إله .. إذاً أين المعجزة ؟

تكثر الأسئلة بشكل متتالي، لماذا لم يمح الله من علي الأرض في طرفة عين ؟ .. أقل من طرفة ؟! .. إنه إله يعرف بالتأكيد ما يفعل، إله تعاظم حتي يقول لأي شيء كن .. فيكون .. ببساطة كهذه ..
لكن السفينة .. اليابسة .. سخرية القوم .. ونوح الذي يتوق لشيء يري به نصر الله الماحق بعد ألف سنة إلا قليلاً .. تسعة قرون من الصبر كافية تماماً .. كافية وزيادة .. فلماذا ؟

يحمل الحبيب الجواب برقي وسكينة كما هي عادته، يروي أنس عن الصديق والصاحب والمُعلم ما تلفظ به ..
قد قامت الساعة، ثم كان في يد أحدكم شتلة نبات، شتلةٌ وحيدةٌ جداً، وسط أهوال اليوم، كل الهلع غير المسبوق، الشمس من المغرب لأول مرة، وصفير حاد يشق الآذان ويتصاعد بإستمرار .. ونار هائلة لم ير مثيل لها .. وسط كل ذلك .. في اليد شتلة واحدة .. وبقدر أقصي من التركيز .. إزرعها ..

ولأنه أوتي جوامع الكَلِم فقد صاغ المعني في أقل عدد من الأحرف، ينقل أنس عنه صلي الله عليه وسلم، ( إن قامت الساعة، وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتي يغرسها، فليغرسها ) .. ثم سكت ..

تكون الفسيلة علي قدر العمل، ولذلك كانت فسيلته علي قدر عمله ، سفينة عملاقة، ليست مجرد أداة للنجاة فقط، لكنها فسيلة حملت كل ال DNA اللازم لإستمرار الحياة مرة أخري، أنقذ نوح عليه السلام الأرض، بأمر إلهي .. بهمة الزراع .. وبنية الصالحين .. ورحمة ما قبل أي طوفان .. ثم جاء الطوفان وفي الأرض فسيلة ..

الطريق إليك يا مولانا طويل .. ارزقنا الإستعمال .. ونجنا من الإستبدال، تلك المحرقة التي لا تبقي ولا تذر .. وأذقنا من لذة الوصول إليك ..


 

Comments

comments