1601579_10200995087350139_873914211_n

مازلت تماماً مع الرأي القائل بأنه لا يجب السماح لأي شخص أن يفقد حياته لأي سبب. سأحاول من خلال هذا المقال أن أوضح وجهة نظري من ناحية علمية، مع ذكر بديل أرى أنه الأفضل في الإبقاء على حرارة القضية بدون أن يرتبط ذلك بالمزيد من الدماء (ليس الشيء الوحيد الذي يجب فعله، لكن أحد الأشياء).

(1)
———————————————-
كيف يقوم الناس بإتخاذ القرارات الأخلاقية أو تقييم العوائد الأخلاقية المتعلقة بشيء ما، “قيمة حياة الإنسان” مثلاً؟ وما هي العوامل التي تؤثر عليها؟

أبدأ بمقولة لجوزيف ستالين:
“وفاة شخص واحد تمثل مأساة، وفاة مليون شخص تمثل إحصائية”. بغض النظر عن الطريقة التي قد تنظر بها للموضوع، إلا إن هذه هي الطريقة التي نتعامل بها فعلاً مع الأمر.

في هذه المحاضرة القصيرة: http://goo.gl/skWWFF يحدثنا “جوشوا جرين”، وهو متخصص في علم الأعصاب الإدراكي و فيلسوف بجامعة هارفارد (وعالم نفس أيضاً على حد قوله)، عن كيف يمكن لتقنيات تصوير المخ أن تجيب عن أسئلة مشابهة.

على مستوى علم الأعصاب، يقول جرين أنه بالرغم من إعتقاد البعض في وجود “عضو أخلاقي” في المخ متخصص في تقييم “العوائد الأخلاقية” للخيارات المختلفة المرتبطة بموقف معين ( مثلاً، الإختيار بين إنقاذ شخص واحد أو 50 شخص)، إلا أن أبحاثه أثبتت غير ذلك. حيث وجد أن المنطقة التي تقوم بهذه الوظيفة في المخ هي نفسها التي تقوم بتقييم الخيارات ذات العوائد الحقيقية، مثل الطعام والمال، أي أن تقييم العوائد الأخلاقية هو جزء من عملية عامة، وليست شيئاً منفصل بذاته.

(2)
———————————————-
ما الذي قد تخبرنا به هذه النتائج من الناحية النفسية؟
تخبرنا هذه النتيجة ونتائج مشابهة، أن تقييم الناس لـ”حياة البشر” أو غيرها من التقييمات الأخلاقية يخضع لما يسمى “قانون العوائد المتناقصة” –وهو مفهوم إقتصادي معروف، يتحدث عن كيف أن الزيادة الكبيرة في أحد المدخلات مع تثبيت باقي المتغيرات الأخرى، يؤدي عند مرحلة ما في إلى تقليل الخرج أو التأثير المتوقع (مثلاً، إضافة الأسمدة يساعد على زيادة الإنتاجية الزراعية، لكن بعد نقطة معينة، تصبح الإضافات أقل تاثيراً على المحصول، ثم قد تنعكس حتى وتؤدي إلى تقليله).

بتطبيق هذا الأمر على مثال أخلاقي، نجد أن إنقاذ (أو سلب) حياة شخص واحد ستكون ذات عائد اخلاقي كبير (أي ستكون تأثيرها على المتلقي أو الفاعل كبير)، إذا زاد العدد إلى شخصين، ثلاثة، أربعة، سيزداد التأثير بصورة مضطردة. ثم إذا وصلنا إلى عشرات، ثم مئات.. يبدأ قانون العوائد المتناقصة في العمل، ويبدأ التأثير الناتج عن كل إضافة جديدة بالنقصان، إلى أن نصل إلى مرحلة “أيه المشكلة يعني؟” والتي تناظر التعود التام على الأمر وفقدانه لأي تاثير..تماماً كما قال ستالين، سيتحول من “مأساة” إلى “إحصائية”.

(3)
———————————————-
هذه النتائج تفسر الكثير، وتلقي الضوء على عدد من الأشياء التي يجب الإنتباه لها لتحقيق أقصى عوائد أخلاقية (أو تأثير) من أحداث معينه، كالتي نمر بها الآن سواء في مصر أو غيرها من القتل، الإعتقالات، أو التعدي المستمر على البنات..إلخ.

في الحقيقة، إعلامنا القذر يغسل دماغ مريديه بإستغلال هذه الحقيقة للدرجة القصوى. كلنا سألنا هذا السؤال: كيف يكون لمقتل بضعة أفراد في قسم شرطة أو مجموعة جنود أو غيره من الحوادث التي لا تتعدى الضحايا فيها “العشرات” هذا التأثير الهائل، مقارنة بمجزرة راح ضحيتها الآلاف؟ إنه قانون العوائد الإخلاقية المتناقصة. بالتركيز على “تفاصيل” الضحايا، ووصف “المأساة” المحيطة بها، ثم التركيز على عدد صغير منهم، نستطيع توليد الحد الأقصى من العوائد الأخلاقية (اتأثير) المرتبطة بهم، بينما أن تذكر أرقاماً جمعية مثل 20، 560 أو حتى 4000.. أنت عندها بالفعل تخطيت عتبة إحداث أي تأثير، هي مجرد أرقام.

إذا فكرت في الأمر ستجد أنك أيضاً تتأثر بنفس الطريقة التي ذكرتها. أيهما كان أكثر تأثيراً بالنسبة لك: معرفتك لتفاصيل حياة ووفاة أسماء البلتاجي أو حبيبة، أم خبر مقتل 19 شخصاً في مظاهرة في الأسكندرية (بفرض انك لا تعرف أياً منهم شخصياً)؟ بالطبع أسماء وحبيبة. ربما ستحدثان تغييراً دائماً في حياتك، ربما أنت أصلاً كنت مؤيداً لما كان يحدث وغيرت وجهة نظرك بعدما سمعت عنهما، وربما أنت لن تنساهما طوال حياتك، لكنك بكل تأكيد ستنسى هذا الرقم بعد يومين.

(4)
———————————————-
في أي قضية أخلاقية (أو غيرها)، فإن أحد الطرق الكمية لقياس تقدمها و “نجاحها” هو إزدياد عدد المؤيدين لها بمرور الوقت.هل ما يتم فعله “الآن” يحقق هذا الأمر ؟ في الحقيقة ما يحدث العكس، يتم إنقاص أعداد المؤيدين !

من بعد مجزرة رابعة، لا مبرر للسماح بأي وفيات إضافية. إن كنت تعتقد أن مثل هذه التضحيات الغالية جداً ضرورية “للإبقاء على حرارة القضية” أو أنها تخدمها بأي طريقة، فعليك أن تعيد التفكير. كل ما تفعله هذه الوفيات أنها تفطر قلوب من يرتبطون بها مباشرة، بينما كما ذكرنا تمثل بالنسبة للأغلبية مجرد مقارنات بين أرقام: ما الذي قد يمثله رقم 20 مقابل 4000؟ للأسف هذه هي الطريقة التي تعمل بها عقولنا. بعبارة أخرى، إضافة المزيد لن تفيد.

طيب ما الذي يجب عليك فعله؟ ما يفعله الإعلام بالضبط.
عليك أن تحول هذه “الإحصايات” “لشخصيات حقيقة مرة أخرى، عليك أن تُظهر المأساة، لا أن تتحول أنت إلى إحصاية جديدة.

تحدث عن شهداء من الذين سقطوا بالفعل بالتفصيل بصورة نظامية، سواء على صفحات التواصل الإجتماعي، بين معارفك (وخاصة من المؤيدين لما يحدث)، أوراق تعريفية تطبعها وتقوم بتوزيعها…إلخ.. تماماً كما فعلنا بدون قصد مع أسماء وحبيبة وغيرها من الأسماء التي حفرت في رؤوسنا، وغيرت عن نظرتنا لكثير من الأشياء للأبد.
أفضل الصفحات التي أعرفها والتي تقوم بهذا المجهود هي احكيـــــلي عن شهيــــد. ليس عليك بالطبع أن تنشر 100 شهيد في يوم، هذا سيفسد كل شيء. ضع في رأسك دائماً قانون العوامل الأخلاقية المتناقصة. ربما 3 إلى 5 شهداء في الأسبوع تتحدث عنهم بإستمرار هو عدد أكثر من كاف، وأنت لن تتخيل التأثير الذي قد تحدثه هذه الاستراتيجية.

نحن كائنات عاطفية كثيراً، عقلية قليلاً. أحكامنا الأخلاقية (وغير الأخلاقية) مرتبطة بعواطفنا عند اصدار الحكم.
ربما تكون قد حاولت من قبل في “مناقشة منطقية” مع صديق مؤيد لما يحدث أن تقنعه أنه مخطئ، وأن من يُقتلون أو يسجنون الآن يتعرضون لأقصى أنواع الظلم، وفي الغالب أنت فشلت فشلاً ذريعاً، وربما قاطعته بعد أن سمعت منه كلمات مثل (يستاهلوا، أنا مع انهم يتقتلوا كلهم..الخ)، وهذا متوقع؛ اذ لا تنتظر من شخص مشبع بعواطف “الكراهية المطلقة” تجاهة مجموعة معينة من الأعداء الوهميين الذين تتم “شيطنتهم” بإستمرار في الإعلام أن يستخدم عقله في أي شيء يتعلق بهم. ولكن ماذا إن اكتشف أنهم ليسوا شياطين إلى هذه الدرجة؟ ماذا لو اكتشف أن بعضهم يشبهه كثيراً؟ سيبدأ الجليد في الذوبان.

العواطف لا تقارع بالعقل ولا باليد ولا بالصوت، لكن تقارع بالعواطف. في هذه المرحلة، إجتذاب المزيد من المؤيديين للقضية يعني تلقائياً إضعاف المعسكر الآخر

Comments

comments