1505487_10201007075209828_1805383168_n

إتساع العالم كما تدركه “أنت” يرتبط بالدرجة الأولى بإتساع وعمق “العالم العقلي” الذي تحيا فيه، وليس العالم الفيزيائي. بعبارة اخرى، يعتمد على نوع وعمق ما تفكر فيه. أنت جربت ذلك بنفسك حتى ولو لم تتنبه للأمر. في بعض الأحيان قد تكون في مكان مفتوح تماماً، على شاطيء بحر مثلاً، ولكن يبدو العالم أضيق من أن تتنفس فيه، و في أحيان أخرى ربما تكون على سريرك، وتستطرد في التفكير في أمر ما للدرجة التي تشعر فيها بالضياع.

ربما من الأسهل لو تخيلنا أن هناك “مستويات” مختلفة لإتساع العالم الذي تعيش فيه.

المستوى الأول هو أن يكون عالمك مرتبط بفكرة واحدة بدائية (مقارنة بما سيأتي بعدها). مثلاً، في وظيفة جيدة أو فتاة تحبها. في هذه الحالة فإن عالمك لن يتسع لأي مزيد، سيُختزل هدفك في الحياة في تلك الأشياء فقط؛ كيف أتخلص من هذا الزميل المزعج؟ ما هي الواسطة التي يجب أن اعتمد عليها؟ ما هي الهدية التي قد أشتريها لها؟ ما الذي علي فعله لأسترضيها بعدما رفعت صوتي عليها أمس؟ لهذا، لاعجب أن يصاب شخص ما بإكتئاب حاد (وربما ينتحر) إذا لم يصل لغرضه في أياً من هذه الأشياء، لأن السبب من وجوده قد انتهى.

اذا كنت تفكر على مستوى أوسع قليلاً، مثلاً مشكلة إجتماعية معينة تعمل عليها، فجأة سيتضاءل اهتماماتك بالأشياء التي يراها سكان الفئة السابقة “مصيرية”؛ ذلك لأن رأسك سيكون مشغول بالعديد من الأشياء الأكثر أهمية، من أكلمه للتحضير للمؤتمر؟ كيف أجمع التبرعات؟ كيف سأقيم تأثير ما أقوم بفعله؟..وهكذا.

المستوى التالي، أولئك من يفكرون على نطاق عالمي. مثلاً المهتمون بدراسة تاريخ العالم، ظواهر بيئية كوكبية كالاحتباس الحراري…الخ. هنا تتحول قضايا محورية في وجهة نظر المجموعة السابقة، إلى حدث ثانوي لا يذكر. مثلاً حرب أهلية أو حرب بين بلدين أدت إلى وفاة 5000 شخص، مقارنة بالحرب العالمية الثانية التي شاركت فيها 70 دولة، وبلغت تقديرات الوفيات 50 مليون شخص.

ثم هناك من يفكرون في الإجابة على الأسئلة الكبيرة، كمن يبحثون مثلاً في الرياضيات أو في العلوم الأساسية أو الفلسفة: ما هو الزمن؟ كيف خُلق الكون؟ وما مصيره؟ ما هو الوعي؟ من هو الله؟ ما الذي يوجد بعد الموت؟ ما الذي تعنيه المالانهاية؟ وهل المالانهايات متساوية؟ وماهي مالانهاية المالانهايات؟
من يتعاملون مع هذه الأشياء يتسع عالمهم بما فيه الكفاية ليتضاؤل معه إهتامامهم بكل شيء على الكوكب -بما فيه أنفسهم- مقارنة بما بحاولون الإجابة عنه. وإذا لم يتم السيطرة على “العمق” الذي يخوضون فيه، ففي الغالب يصلون لدرجة من الضياع تنتهي بفقدان العقل أو الإكتئاب المزمن أو الإنتحار (يناقش الوثائقي Dangerous knowledge حياة أربعة من هؤلاء، ونهايتهم كذلك).

افضل نصيحة هو أن تنتقل بقدر الإمكان بين هذه “العوالم العقلية” بتوازن، و إياك أن “تحشر” نفسك في إحداها فقط، بغض النظر عن المستوى.
في ظل الظروف التي نعيش فيها الآن في مصر، اسأل نفسك: ما هي حدود عالمك الذي تعيش فيه الآن؟ فيما تستهلك قدراتك وطاقتك العقلية؟ ما هي الأشياء التي تناقشها؟ ما هي الأشياء التي تتحدث عنها طوال الوقت؟ ثم هل هذه هي الطريقة التي تراها مناسبة لإنفاق وقتك، والذي لن يعود مرة أخرى ؟

Comments

comments