لا أدري متي بدأت علاقتي مع الليل تأخذ هذا المنحي الغريب ، علاقة والد بابنه الوحيد ، حُنو شجرة ظليلة علي رجل في

صحراء قاحلة ، معاملة حبيبة لحبيبها ، روحان التقيا في مشكاة واحدة أو ما جُبلت نفسي عليه ” كأنهما من مشكاة واحدة ” .. وكل الأشياء التي لا علاقة لها بكل الأشياء ..

في رمل وزبد يطلب العم جبران أن يوهب صمتاً فيغلب به الليل جرأة .. نفس القصة تقريباً ..

حجر صغير في الأرض .. ورقة ملقاة بإهمال بجانب الرصيف .. فأر ميت في المنتصف وقد مر عليه عدد قياسي من السيارات والبشر .. كتابات هيستيرية علي الحائط المقابل بعضها فوق بعض .. لون الأسفلت وقد فاقت رماديته المعتاد .. أشياء تافهة تقابلها في مقدشيو .. شوارع بنجشير أو ما تبقي منها .. الحواري في قلب ليتي .. لكنها أشياء لا تفوح بهذا الأسي الخاص هاهنا .. رائحة الكآبة التي لم أعد أخطئها أبداً ..

علي الرغم من أن هذا الدعاء لا شبهة فيه إلا أنني لم أحبه يوماً .. برتابة أؤمن .. اللهم اضرب الظالمين بالظالمين .. آمين .. أخرجنا من بينهم سالمين .. آمين .. لندعهم يسحقون بعضهم البعض .. آمين .. الله منتقم .. أعلم .. كان الأمر بالنسبة لي مشاهدة بحتة .. نشاط لا يقدم ولا يؤخر ولا يغني من جوع للنُصرة ..

أحد أذكي نباتات العالم هو ( التبغ ) .. للتبغ آلية دفاعية فريدة من نوعها .. تحب دودة ال Heliothis virescens التغذي عليه .. تعشقه .. من المفترض أن تقف الورقة مشاهدة لمراحل أكلها .. يُؤكل رأس الورقة الشبيهة بالحربة .. ثم الورقة نفسها .. وهكذا .. لكن التبغ لا يفعلها ويقف صامتاً ..
تبدأ هيلوثيس في قضم الأوراق .. مع أول قضمة يفرز لعاب الدودة مادة كيميائية تحفز التبغ علي إطلاق مواد كيميائية أخري في الهواء .. هذه المواد تجذب نوعاً معيناً من الزنابير الطفيلية Cardiochiles nigriceps .. لزنبور الكارديوتشايلس متعة وحيدة وهي وضع بيضته في أمعاء الهيلوثيس .. بعد صراع عنيف بين الزنبور والدودة ينتصر الزنبور دائماً .. يضع بيضته .. يذهب .. تفقس البيضة .. تتغذي علي الدودة من الداخل وتقتلها .. عملية قتل تتم في وقت قياسي وبإحترافية .. ينجو التبغ من المجزرة .. لكن بعد أن فعل ما عليه بين الظالمين الذين ليسوا بظالمين …

بعد فترة توقفت عن ترديد آمين .. ثم قررت دعاء الله بأن يضرب الظالمين بالصالحين وأن يستعملنا ولا يستبدلنا .. وجدت أن هذا هو الأقرب للقلب في أيام كانت صعبة وظلت صعبة ..

كنت أسير مع والدتي مرة .. أتكلم معها في أشياء تشغلني .. بعدما إنتهيت اكتفت كالعادة بالصمت .. قليل من التأمل .. ثم قالت لي بإقتضاب أن كل ذلك جميل .. لكن هذه الأشياء لا تأتي للجالسين في بيوتهم .. ثم صمتت .. وصمت كأني أكتشف هذا لأول مرة ..
بعد فترة طويلة .. وكثير من المآسي .. وكثير من اللاشيء في عالم اللاشيء … تذكرت كلماتها وأنا خارج البيت .. دائماً خارج البيت .. دائماً ما أهرب منه لأحاول أن أكون من النافرين من بيوتهم ..

العلاقة بين كلير وفرانسيس خلابة بشكل مُزري .. ذلك الجمال الذي يخالطه قبح فلا تدري أجمال هو أم قبس مُبهر من قبح الذين سبقوا ..
فرانسيس رجل الظل والأضواء في نفس اللحظة .. قدم في الكونجرس وقدم في البيت الأبيض .. وكلير سيدة الأعمال والإحسان .. الوجه المعلن .. أما ما تحت الجسور فهو تحت الجسور ..
يستحق House of cards أن يكون مسلسل العام .. ثلاثة عشر حلقة فقط كموسم وبجودة تمثيل سبيسي كانت كافية تماماً لأن يأخذ حيزاً كهذا .. لكن ربما هذا ليس كل شيء ..
في الجلسة المسائية المعتادة .. جوار نافذتهما المحببة .. علبة السجائر .. النظرات وتبادل نفث الدخان بينهما .. تصمت كلير .. ثم تسأله بدقة عن الموت .. عندما يموت أحدنا ، ما الذي سنتركه ورائنا يا فرانسيس ؟

يرد فرانسيس بتلقائية أنهما حققا الكثير جداً من الإنجازات الشخصية .. لكن كلير كانت واضحة تماماً .. إنجازات لمن ؟ .. يرد بتلقائية أكثر : لأجلنا .. تهز رأسها في هدوء يائس من المناقشة .. I’m being silly .. ثم تصمت ..
ماذا تركنا ورائنا ؟ .. لمن ؟ ..

أجري في ال track .. عُمر يشدو بنايه في أذني .. أفكر .. عشر دقائق .. ثلاثون .. .. خمسون .. ساعة .. رن المؤقت منذ فترة لكني لم أستجب له وأتوقف عن العدو .. يبدأ الناس في النظر بهدوء .. فإستغراب .. فدهشة .. متي يتوقف .. متي .. ثم يصيبهم الملل .. لن يتوقف أبداً ..
كم الطاقة السلبية أصبح مخيفاً .. يقلقني .. أتوقف بعد فترة تزيد عن الساعة .. لا أشعر بالتعب .. فقط أشعر أنني أريد أن أواصل .. لم يختلف الأمر شيئاً كثيراً .. هنا أعدو وفي الحياة أيضاً .. إحساس المطارد الذي يخشي نفسه .. يخشي أن تحوله المطاردة لحبيب .. حبيبٌ يصبح عاشقاً ومدمناً لأن يكون مطارداً طيلة حياته ..

يمثل مشهد النهاية في the mist جواباً علي سؤال من الأسئلة الوجودية .. ما هو الأسوأ الذي لم نره بعد ؟ .. يحسم الفيلم الأمر تماماً ويحذف هذا السؤال من القائمة .. قائمة الأسئلة التي تنتظر الإجابة للأبد ..
بالتحديد آخر عشر دقائق .. هذا هو الفيلم الوحيد الذي لم أشاهده إلا مرة واحدة .. بعد صراع دامي مع الكائنات التي أصابتها طفرة .. وبعد صراع آخر مع سلطة الدين الممزوجة بالخرافة .. لا حل سوي الهروب من هذا الجحيم .. يبدأ الناس في قتل بعضهم البعض أو إنتظار الموت .. ينجح ديفيد في الوصول لسيارة بعد معاناة إعجازية .. يضع الناجين فيها .. أم .. طفلها .. براءة الدنيا .. عجوزين يبغيان من الحياة أكثر .. يدير السيارة .. ثم يرحل ..

بعد قليل .. الضباب مازال مستمراً .. الكائنات مازالت موجودة .. يسمع صوتاً قادماً يتصاعد بإستمرار .. هناك مسدس واحد .. أربع رصاصات فقط .. وقرار جماعي في العيون يتم الإتفاق عليه ببطء وبلا صوت ..
يأخذ ديفيد المسدس .. تشير إليه أماندا مؤمنة ومحفزة له بالدموع .. يضع رصاصة في رأسها .. رصاصة في رأس الطفل .. يضع رصاصتين واحدة في رأس كل عجوز .. يقترب الصوت أكثر .. تنتابه هيستيريا ما بعد المذابح .. ينقشع الدخان كاشفاً عن أجسام ضبابية .. يتهيأ لأن يكون طعاماً لهذه الكائنات .. فجأة يكتشف أنهم جنود من الجيش الأمريكي .. وأنهم نجحوا في السيطرة علي الوضع وهو يقتل من معه إنقاذاً لهم من ميتة بشعة !

الأمور واضحة بالنسبة لي .. في البدء خلق الله السماوات والأرض .. وفي المنتهي سيكون صوت المنشاوي غالباً حاضراً في الخلفية ..
يكرر الله تعالي ” أم حسبتم ” برفقة الجنة مرتين .. يكررها المنشاوي كقصة متباعدة الأرض .. يبدأ بأم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم .. كان لابد هنا من توضيح ما حدث مع الذين خلوا .. يقدم المنشاوي ذلك فينقلنا للذين خلوا من قبل .. مستهم بأساء .. وضراء .. وزلزلوا .. ثم تتواصل الزلزلة حتي يقول الرسول والذين آمنوا متي نصر الله .. تأخر نصر الله كثيراً .. ثم يصمت المنشاوي قبل أن يزف النبأ ( ألا إن نصر الله قريب ) ..
ثم يأتي دور الفعل مع كل هذا .. البأساء والضراء والزلزلة .. ما علي المؤمنين فعله بالضبط ؟ .. يتفوه المنشاوي هنا بالإرشاد الإلهي .. نفس ( وأم حسبتم ) .. نفس ( الجنة ) .. لكن هذه المرة مع توضيح ما هو غير واضح .. خارطة طريق لأفعال مع البأساء والضراء والزلزلة .. جهاد .. وصبر .. دائماً جهاد .. ودائماً صبر ..

العبء يزيد .. والقلب في مهب الريح ..

Comments

comments