1376329_10200566892965547_895907611_n

عدت للترجمة بعد انقطاع مؤقت.
نُشر هذا المقال بتاريخ 20 ابريل 2011، على موقع المجلة العلمية الشهيرة Nature، والذي يعرض لنا صورة مقربة عن أحوال طلبة الدكتوراه في مصر، و يعكس أيضاً الوضع الحقيقي للاهتمام بالعلوم والأبحاث في مصر. يفسر هذا المقال الكثير الكثير من أسباب كوننا في المؤخرة فيما يتعلق بترتيب الجامعات أو التعليم الأساسي حتى بصفة عامة.

المقال طويل قليلاً، لكن يستحق القراءة حتى الحرف الأخير.
المصدر: http://goo.gl/EcEx90

أترككم مع المقال:

ويلات طلاب الدكتوراه المصريين
===================
مقدمة:
——–
التحديات التي تواجه الطلاب في مصر خلال سعيهم لنيل درجة الدكتوراة تعيق الكثير منهم، للدرجة التي تدفعهم للتسائل ان كان الأمر يستحق كل هذه المتاعب والتكاليف.

قضى “مراد بسيوني” سبع سنوات في العمل على نيل درجة الدكتوراه، وذلك باستكشاف العلاقة بين أنواع معينة من البكتيريا والسرطان، موضوع كان يعتقد في البداية أنه سيكون مثير للاهتمام.

لم يختر مراد هذا الموضوع، ولكن تم تحديده له من قبل مشرفيه، الذين كانوا يميلون للاختلاف مع بعضهم البعض على الكيفية التي ينبغي عليه أن يسير بها. يحدث هذا في الأوقات التي يكون فيها محظوظاً بما يكفي لأن يلتقي بهم أصلاً.

بمرور السنوات، بدأت تكلفة أبحاثه -الممولة ذاتياً- تثقل كاهله، وبدأت حماسته للعلوم تتضاءل. وأخيرا، أصابه الضجر من أطروحته (رسالته) التي لا تنتهي، ومن الاعادات التي لا تتوقف لامتحانات رديئة السمعة بكونها طويلة و صعبة.
لذا، فقد استسلم.

لا يزال كما كان، “بسيوني”. كلمة “الدكتور” – ذلك اللقب الذي يحمل مكانة الهية في مصر – والتي كانت لتسبق اسمه، بعيدة كل البعد عن متناول يده.

ومع ذلك، فان قصته ليست فريدة من نوعها. حيث قد لا تتجاوز نسبة الناجحين في اتمام برامج الدكتوراة من المسجلين بها في بعض الجامعات المصرية نسبة 5-10٪.

مبادئ توجيهية مهلهلة، وميزانيات محدودة
———————————————
هناك أكثر من 35000 طالب مسجلين في برامج الدكتوراه في مصر، أكثر بكثير مما تستطيع الجامعات توظيفه. لا يوجد اطار زمني رسمي لدراسات الدكتوراة في مصر. في حين أن بعض الجامعات، مثل جامعة القاهرة، تضع حد أقصى أربع سنوات، فان هذه المبادئ التوجيهية مرنة. لذا، فانه ليس من غير المألوف أن تستغرق بعض درجات الدكتوراه وقتاً قد يصل إلى سبع سنوات حتى يتم الانتهاء منها.

هناك جانب آخر، شح تمويل برامج الدكتوراه في مصر أكثر ثباتاً واتساقاً عن البرامج نفسها !
أظهر تقرير للأمم المتحدة في عام 2006 أن الإنفاق العام على العلوم في مصر هو من الانخفاض بحيث لو وُزع بطريقة متساوية على كل الجامعات المصرية، لحصل كل قسم على ما يقرب من 17 دولار أمريكي “كتمويل شهري” !
أيضاً، ووفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، فان مصر تنفق أقل من 0.2٪ من ناتجها المحلي الإجمالي على العلوم والتطوير.

واحدة من العواقب التي لا تحصى لهذه المساهمة الحكومية الضئيلة جداً تجاه العلوم هو أن طلاب الدكتوراه غالباً ما يمولون أنفسهم، وعلى هذا يتم تلقائياً استبعاد الشباب الغير القادرين مالياً من أبحاث الدراسات العليا.

تقول “فاطمة حماد”، أخصائي الغدد الصماء ومشرفة دكتوراة :”إن متوسط ما تحتاجه درجة الدكتوراة لطالب الطب في إحدى الجامعات الحكومية هنا في مصر يصل لحوالي 1500 دولار أمريكي على مدى الـ 4-5 سنوات الذي يستغرقه اتمامها. هذا قد لا يبدو كثير، ولكن بالنسبة لطالب مصري، فان هذا يمثل عبئاً مالياً كبيراً عليه ”
في بعض الأحيان، يمكن أن يكلف الأمر أكثر من ذلك بكثير، خاصة عندما يحتاج الطالب معدات ومواد غير متوفرة في مصر.

التمويل و المشرفون
———————-
حصلت “دينا حسينى” على درجة الدكتوراه في جامعة عين شمس، في عام 2008، عن دراستها للعلاقة بين العوامل البيئية و بين الإصابة بسرطان الثدي. تطلبت أبحاثها إجراء اختبارات واسعة النطاق على العديد من المرضى.

كان أول اختباراتها هو إيجاد معامل مناسبة وموارد طبية كافية.
تقول دينا: “لم يكن هناك أياً من هذه المرافق في جامعتي لاستخدامها خلال السنوات الأربع التي استغرقها مني الأمر لإكمال درجة الدكتوراه” ثم تضيف “كان علي أن أدفع عن كل شيء، وهي ليست مشكلة إذا كان الأمر يتعلق فقط بتوزيع استبيانات، ولكن عندما تقوم باجراء فحص بالموجات فوق الصوتية وتصوير الثدي بالأشعة السينية للعديد من المرضى، فان التكاليف تتراكم.”
حتى عندما كانت دينا تجري الفحوصات في مستشفى عام، كان عليها أن تدفع ثمنها جميعاً بنفسها.

ثم هناك مشكلة المشرفين.
في مصر، من الطبيعي أن يكون هناك العديد من المشرفين على نفس أطروحة الدكتوراه. ترى دينا حسينى نفسها محظوظة لأنها حظيت بمعاملة حسنة من جانب مشرفيها. لكن في نفس الوقت، ترى أنهم لم يقدموا المعاونة الكافية، حيث أنهم كانوا عديمي الخبرة، خصوصا فيما يتعلق بكيفية كتابة أطروحة جيدة، بالاضافة الى أنهم بالكاد كان لديهم ما يكفي من الوقت لها. تقول دينا: “اضطررت الى الحصول على الكثير من المساعدة من أساتذة آخرين لم يعملوا كمرشدين أصلاً.”
ترى دينا أن مثل هذه العلاقات مع أعضاء هيئة تدريس آخرين هي المفتاح لدرجة دكتوراه ناجحة في مصر.

وفقا “لمنير حنا”، عالم غذاء ومشرف دكتوراة في كلية الزراعة بجامعة المنيا، فان كل مشرف لأطروحة دكتوراه يتقاضى 250 جنيه (40 دولار أمريكي) عن كل طالب في معظم الجامعات الحكومية على مدى برنامج الدكتوراه.
هذا يعني أن مشرفا يعمل مع عشرة طلاب سيتقاضى 2500 جنيه (400 دولار أمريكي) عن مدة أربع سنوات من العمل،هذا إن لم يكن لفترة أطول. لذا ففي المقابل، يخصص معظم المشرفون القليل من الوقت و الجهد في مساعدة طلابهم.

لا يعتقد “أحمد حسيني” (شقيق دينا حسينى، و الذي يعمل حاليا مشرفا للدكتوراه بعد حصوله على الدرجة في جامعة عين شمس، وذلك عن دراسته لدور بروتين الانجيوجنين في نمو الورم) أن أجراً أفضل سيعالج هذه المشكلة.
يقول أحمد: “سنقدم المزيد من وقتنا، ولكن المشكلة هي أن الكثير منا لا يملك القدر الكافي من المعرفة حول كيف يبدأ حتى.” يشير إلى أن بعض المشرفين لا يعرفون سوى القليل حول المعايير الدولية لكتابة الأوراق البحثية.

يقول أيضاً أنه لم يتم تدريسه أبداً كيفية كتابة أطروحة. لذا كان عليه قضاء سنة إضافية في كتابة أطروحته، في موضوع لم يكن له يد في اختياره، في الوقت الذي كان عليه فيه تلبية المطالب المتضاربة لمشرفيه الاثنين !

يقول حنا: “طالب الدكتوراه هنا في مصر يواجه مشكلات عديدة. أنا أتفهم مدى صعوبة الأمر، ومهمتي كمشرف هو المساعدة في حل قدر ما أستطيع من هذه المشكلات. لسوء الحظ، العديد من المشرفين لا يهتم، وينتهي بهم الأمر بإضافة عقبة جديدة في طريق الطالب” ثم يستطرد “أتذكر تلك الحادثة منذ حوالي 20 عاما، عندما انتحر أحد طلاب الدكتوراه بالقفز من قطار متحرك وذلك في يأس كامل”

الجامعات الخاصة:
——————-
تبرز صورة مختلفة من الجامعات الخاصة، التي يلتحق بها أقل من 1٪ من طلاب الدراسات العليا في مصر، بما في ذلك طلاب الدكتوراه.

مؤخرا، بدأت الجامعة الأميركية في القاهرة (AUC)، برنامج دكتوراه في العلوم التطبيقية.
تقول “ريم العلابي”، أحد أفراد الدفعة الأولى من طلاب الدكتوراه بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أنه الى الآن، فان مشريفها متعاونون جداً، وأن معظم التسهيلات والأدوات متاحة و في متناول اليد.

بالرغم من ذلك، حتى الجامعات الخاصة في مصر تمثل مقارنة سيئة مع المعايير الدولية. في عام 2010، لم تحصل الـ AUC على أي رتبة ضمن أفضل 200 جامعة في العالم.

تقول “نيفين شلبى”،طالبة أحياء تخرجت من الجامعة الأمريكية بالقاهرة منذ عقد من الزمان، بعد أن قررت أن تكمل دراسة الدكتوراة بالخارج: “كنت أعلم أنه لكي أسعى لتحقيق تدريب علمي سليم علي مغادرة البلاد.”

تحمل نيفين الآن درجة الدكتوراه من كلية بوسطن وتعمل في مختبر Buszczak بالمركز الطبي الجنوب-غربي بجامعة تكساس الأمريكية، تقول أن واحدة من المشاكل الرئيسية أنها “لم تتعلم كيف تجري بحثاً أو كيف تفكر كعالم” أثناء دراستها في مصر .

تفاؤل ما بعد الثورة
——————–
(كان هذا بعد يناير 2011، لا أعلم ماذا سيقولون الآن).
ومع ذلك، فان نيفين شلبي متفائلة.
“أعتقد أن هناك عدد كاف من الناس ليجتمعوا مع بعضهم البعض في المستقبل القريب ويتدارسون بجدية بناء أساس لتمويل مؤسسة معايير علمية دولية.”

يتفق معها في ذلك أحمد ودينا حسيني، وريم العلابي، الذين يعتقدون أن مصر الآن مهيأة تماماً لثورة أكاديمية طال انتظارها، تلك التي ستتبع ثورة 25 يناير. (لا تعليق).

بالرغم من ذلك، و في الوقت الحالي، تبقى آمالهم للمستقبل العلمي المصري حذره. فكما تقول ريم: “ليس فقط النظام أو المؤسسات ما يحتاج إلى تغيير، بل أيضاً عقلية من يعملون داخلها. سوف يستغرق الأمر وقتاً، ولكن علينا أن نبدأ في تعزيز ثقافة التفكير العلمي والبحث أولاً “.

*********
انتهى المقال
*********
ترجمة: محمد حجاج
22/10/2013

Comments

comments