c

————
باختصَار ، نحن في تغريبة !! ..
تغريبةٍ من غُربةٍ أو غَربٍ أو استغراب ، لا يُهم ، فذاكَ لن يُمثل فارقا ، والنتيجةُ أجسادٌ نَسكُنها بلا رُوح ، وحُدودٌ نَسكُنها ويُسمّونَها أوطانا ، و عجزٌ قد تَملّكنا ، بَعد أن بَات في مُفارقةِ تِلك الأجسَادِ موتٌ ، وفي الرَحيلِ خَارجَ حُدودِها خِيانَة !!.

مَن نحنُ ؟! ، يَقولون أننا المِصريون ، وأنّ مِصرنا كَانت سَلّةَ غِذاءِ رُوما يَوما مِن الأيام ، وأنّنا أولُ من عَرف التَوحيد ، وأنَنا فَجرُ الضَمير ، و أنّنا نَاصِروا الرُسلِ والرسَالات ، و أنّنا مقبرةُ الغُزاة ، فهل عَلينَا أن نُصدِقَهم ؟! ، أهيَ حقيقةٌ أم أنّها أبواقٌ إعلامِية كالتِي نُعايشَها الآنَ قَد ارتَفعَت أصواتُها فكتَبت التَاريخ !! ، تاريخٌ ميت ، مَا عَاد في أفعَالِنا ولا أقوالِنا ولا جينَاتِنا بَعضا مِن بَقاياهُ لنُحييه ، فمِصرُنا التي نَعرفُها ، هي متسولةُ الغِذاء العُظمى الآن ، هِي مُن يبحثُ مُثقفُوها عَن حُريّة الإلحَاد الآن ، هِي مَفرخة الظُلمِ والفَسادِ الآن ، هذا مَا يَجبُ أن نَعرفَه ، هَذا مَا يَجب أن نَصدِقه ، وكَفانا تَصديقُ مَا قَالوه عَنّا قَديما لاقنَاعِنا أنّ المَجدَ ميراثٌ سنرثُه عَن أجدَادِنا ، فمَنعَنا العَملُ لتَحقِيقِه أو للمُحافَظَة عَليه !!

مَا الذِي جَعل المِصريون يُبايعُون “مُحمد عَلي” وَاليا عَليهِم ؟! ، مَا الذِي جَعل أَعيانُ مِصر (نُخبَتها) و شِيوخِها بِقيَادةِ “عمر مكرم” يَقودُون ثورةً شَعبِيةً فِي الثاني مِن مَايو عَام 1805 لخلع “خورشيد باشا” ليُعيّنوا بَدلا مِنه “مُحمد عَلي” وَاليا عَليهم بَعد أن أخَذُوا عَليه شَرطا “بَأن يَسيرَ بالعدلِ ويُقيمَ الأحكامَ والشرائعَ ، ويُقلعَ عَن المَظالمِ وألا يَفعلَ أمرًا إلا بِمشُورةِ العُلمَاء وأنّه مَتى خَالفَ الشُروط عَزلُوه !!” ، لِماذا لَم يَحكم “عُمر مَكرم” هُو و مَن مَعهُ البِلاد و سَلموها لجُندِي ألبَانيٍ لا يَقرأ ولا يَكتب ، بل و عُرف عَنه الدَهاءَ و المَكر ، لِماذا ظنّوا أنّه سَيُقيم العَدل والحَق بَدلا عَنهُم ؟! ، لِماذَا لُم يَخلَعُوه عَلى شَرطهِم بَعد أن انَتشَر فَسادَه وظُلمَه و قَبلَ أن يَغدرَ بِ”عُمر مَكرم” نَفسُه و يَنفِيَه بَعد مُرور أقَل مِن أريَعِ سَنواتٍ عَلى تَنصِيبه وَاليا بِفضَله ؟! ، لِماذا يَرى المِصريون أنّ القُوةَ والبَطشَ والدَهاءُ هِي القَادِرةُ عَلى حُكمِهم حَتى وإن ظَلمَت ، وَلا يَرون فِي الحَق والعِلم قُوةً تَحكمُ بالعَدلِ دونَ أن تَبطِشَ بهِم ؟! ، لِماذا يَكون الظَالمُ هُو مُلهمَهم و مُتصدرَ تَاريخِهم ، و العادلُ هو فَقط مِن أضغَاثِ أحلَامِهم ؟ … لِماذا ؟!

يَقولُ الجَبَرتِي عَن “مُحمد عَلي” : “فَلو وَفّقهُ اللهُ لِشىءٍ مِن العَدالةِ عَلى مَا فِيه مِن العَزمِ والرِيَاسةِ والشَهامَةِ والتَدبيرِ والمُطاولِة لَكَان أُعجُوبةَ زَمانِه وفَريدَ أوانِه” ، قَد فَعلَ “مُحمد عَلي” كُل شَىءِ في مِصرَ كَما يُخبرُنا التَاريخ ، بَنى جَيشُها الحَديث ، أرسَل البَعثاتِ العِلمية ، و بَنى المَصانِع ، و طوّر الزِراعةَ والتِجارة ، وَ هُو الذِي جَعل مِنّا دَولَةً ذاتَ ثِقل تَلحقُ وتَسبقُ في رَكبِ الحَضارة ، لَكنَه فِي الحَقيقَة لَم يُقم أَهم شئٍ فِينا ، لَم يُقم العَدل ! . أعلَمُ أنّك قَد تَرى فِي ذَلك شَيئا هَينا لا قِيمَة لَه مَقارنةً بمَا أنَجزَتهُ دَولتُه وحكمُه ، كَما يَرى البَعضُ الآنَ فِي قَتلِ الناسِ مُبررا للاستِقرَار ، ولَكن نَظرةٌ سريعةٌ لحالِ ما وَصلنَا إليه -ونَحنُ مُستقبَل مَا بَناهُ مُحمد عَلي – ، سَتعلَمُ أنّ مَصيرُ أيُ بناءٍ بِلا عدلٍ هُو الاندِثَارُ لا أكثَر !!.

هَل غرّبنا “مُحمد عَلي” ، هَل أتَى لَنا بأسماكِ أوروبا لنَأكُلها ولَم يُعلمَنا قَط صَيدَ أسمَاكِنا ، هَل جَعلنَا قِطعةً مِن أورُوبا ، فِصرنَا غُربَاء فِي بِلادِنَا مُنذُ ذَاك الحِين ؟! ، هَل عَزلَنَا عَن مَاضِينَا و مَا حَولَنا لنَنسَى مَا قَبلَه ولنَبدَأ تَأريخَ حَياتٍنا مِن عَهدِه ، هَل هُو مَن بَنى دَولَتَنا أم نَحنُ مَن بَنينَا دَولتَه ؟! ، هَل أثّر فِينا أم نَحنُ مَن أثّرنَا فِيه ؟! ، هَل جَعلَنا نُلقِي أسلِحَتَنا ، لِيحُكمنا بِقوة جَيشِه – ذو الأجر – الذِي ادعَى أنّه لحِمايَتنَا ؟!! .. هِي أسئِلَةٌ عَنهُ و عَن كُلّ حُكامِنا مِن بَعدِه ، وللتَاريخِ فَقط أن يُجيبَ عَليها …

والمُحصِلة ؟! ، بَلدُ الأزهَر يُهاجَمُ فِيهِ الإسلَامُ إفرَاطا وَ تَفرِيطا ، مَهدُ العُروبَة يَغضبُ مُواطِنيها إن نَصّ دُستُورُهم عَلى تَعريبِ التَعليم ، أرضُ الكِنانِة فَرغَت كِنانَتها مِن السِهام !! ، فأيُ شئٍ بَقيَ لتَبقَى مِصرُنا فِينا ؟! ، كَان يَستَلزِم ُأيَ تَغريبةٍ هِجرَةُ إلى وَطنٍ آخر ، لَكن فِي حَالتِنا ، فأَوطَاننا هِي مَن هَجَرتنا لتُبقِينَا سُجَناء حُدودِها ، أو تَائِهينَ خَارِجَها نَبحثُ عَنها في أَرضِ اللهِ الوَاسِعَة ، نَحنُ مَن أضَعنَا أوَطانَنَا ، بَعدَ أَن قَايَضنَاها فِي قَلوبِنَا بِقطعٍ مِن أَرضِها ، فيا لَيتها بَقيَت مُحتَلة ، ولَيتَنا بَقينَا نُقاتِل مِن أجلِها ، ونَموتُ شُهداءَ غُزاتها ، لَيتَنا مَا استَعدنَاها ، لِنتصَارعَ عَلى حُكمها ، و لِنتنَافسَ عَلى كَسبِ نُفوذِها ، و لِيُصبِح عَسكَرها خَطرا عَلينَا ، بَعد أن كَان وَيلا عَلى أعدَائِنا !!

يا ليتنا نجد يوما ما يجمعنا بمصرنا الغائبة … يا ليتنا !!

Comments

comments