999888_10151767405602275_938343317_n

وقعت أحداث هذه القصة فى زمنين مختلفين و لكن الجوهر الإنسانى واحد و هذا ما يضمن للقصة شيئًا من الخلود.

المكان سرايفو، عاصمة البوسنة و الهرسك.

الزمان التسعينيات من القرن الحالى.

المدينة محاطة بسياج  من المدفعية الثقيلة ، عملت جغرافيا المكان على زيادة الخناق، الطبيعة السهلية جعلت تطويق المدينة سهلاً. فوة المدافع موجهة نحو المدينة كما يوجه المصلون وجوهم باختلاف أماكنهم نحو القبلة فى دقة بالغة. اختبىء القناصة فوق قمم الجبال فى انتظار الرؤوس اليانعة التى حان قطافها، و لكن الأمر مختلف فى هذه الحالة، فلا يعرف المقتول القاتل فى هذا المشهد، تفصل بينهما أشواطًا طويلة ، تتقلص بضغطة على الزناد و مهارة القناص.

تنافس القناصون فى حصد الأنفس ، و مع مرور الوقت، أضحت المنافسة سهلة ، “ما الحل إذن فى هذا الجو المشحون بالملل؟” قال أحدهم.

لا مشكلة نزيد من صعوبة المنافسة.

كيف؟

نجعل الفائز فى كل دور من يستطيع قتل خمسة أشخاص بالتصويب فى منتصف الدماغ.

هذا سهل جدًا ، أقترح شيئًا أكثر متعة.

ما هو؟

الفائز هو من يقتل خمسة و يجعل الطلقة تستقر فى عينه اليسرى و من يقتل وحدًا دون ذلك، يُحسب له الدور من البداية.

(فى فورة فى نفسه): حان وقت المرح.

طالت فترة الحصار دون البت فى قرار هذه الأمة المعتدى عليها، انقطعت المؤن عن أهل هذه المدينة. لا يصلهم من الطعام و العلاج سوى بعض الحقائب المهربة تأتيهم على فترات متقطعة، بحسب ما تسنح الفرصة. و مع اكتشاف الصرب طرق التهريب ، ضُيق الخناق، ليعتاد المواطنون على معايير مختلفة من الكفاف. فمن وجبة واحدة غير مُشبعة إلى لقمة فى يوم إلى ما هو أقل من ذلك.

و بعد طول انتظار، لاذ أحدهم بحقيبة تحتوى على علب شوربة طماطم محفوظة و بعض الأدوية البسيطة و حقائب قليلة بداخلها قليل من القطن و الشاش. تدرب حامل الحقائب جيدًا حتى يستطيع التوارى عن أعين الصقور الجارحة من القناصة ، اقتناصه يعنى فوز أحد المتنافسين.

 لم يبق له سوى واحد بعد استبعاد المرات الخافقة ، اقتناصه يعنى المزيد من العصارات الحارقة فى بطون جائعة. وعى كل ذلك و هو يبذل أقصى جهده فى حماية حياته بقدر المستطاع.

الله له من التدابير ما لا يعرفها هؤلاء الغزاة ، لن تكون رأسى مستقرًا لطلقة أحدكم. قال ذلك وهو ينبطح أرضًا مستقبله تراب الحار فى صدره كما يستقبل الأحباء بعدهم بعضًا بعض طول غياب. استمر فى الزحف و الاختباء حتى وصل إلى أول بيت فى القائمة الطويلة. خاطر بحياته فى لحظة بأن انتصب سريعًا وقرع على ألواح الخشب المتباعدة. رمقه القناصان  قائلين فى أنفسهم هذا هو، هذا هو من سيضيق الفجوة بينهما أو يعلن النصر للآخر مما جعل للهدف أهمية كبيرة لدى كلاهما. اطلقت الرصاصتان وظلت كلتيهما تتسابقا مثل الخيل فى السباق ولكنه خيب أملهما بانبطاح الرجل السريع لتستقرا على الباب المطروق.

فتح رب الأسرة دون أن يُرى منه شيئًا ، دخل الرجل منبطحًا، كانت المخاطرة الوحيدة، حمد الله على نجاته ، البيوت الأخرى محجوبة عن أعين القناصة. استقبله رب الأسرة بوجه شاحب و قلب مطمئن.

ليس أمامى الكثير من الوقت، جميع أهل البلدة ينتظرون المؤنة بفارغ الصبر.

وفقك الله على جهادك هذا. ماذا تحمله لنا المؤن هذه المرة.

بعض المعلبات من شوربة الطماطم قاربت صلاحيتها على الانتهاء

رب الأسرة (متعجبًا): قاربت صلاحيتها من الانتهاء.

ما جدوى هذا الآن، المهم مقاومة الجوع و الجهاد حتى تنقشع هذه الغمة. على أن أذكرك ، لا نعلم متى يتسنى لنا تهريب حقائب طعام أخرى، فلا تسرفوا فى الطعام. و الآن استودعك الله.

تعناقا ليزيدا بعضهما يقينًا و إيمانًا. انبطح من جديد كى يواصل مهمته فى توصيل الطعام بعدما ترك لأسرة بضع العلب من شوربة الطماطم. أخذ الأب علبة فى يده وفتحها سريعًا ناظرًا فى وجوه أولاده فارغى المعدة ممتلىء اليقين. أفرغ الأب محتويات العلبة فى طبق و لكنه وجدها لن تكفِ العائلة المكنونة من سبعة أفراد. أضاف الماء إلى شوربة الطماطم حتى يخفف من لونها الدموى ليحيله إلى اللون الوردى الذى يرتسم على وجنات العذارى فى حالات سماعهم الكلمات الرقيقة. حاصرت المعالق الطبق كما حاصرت المدفعية المدينة ولكنهم اتصفوا بالأدب ، لم يبدأ أحدهم فى الرشف مؤثرًا أخيه على نفسه. سمح لهم الأب فى أخذ رشفات قليلة دون مشاركتهم. بدأت المعالق ترتفع بعد نيل القليل مما فى الطبق لتعيد إلى الجسد الحياة حتى يسأنف العمل.

فى نفس اللحظة، فى مكان آخر من بقاع العالم. جلس الخطيب مع أهل زوجته المستقبلية. جهزوا له المائدة بعدما استغرقوا يومين فى عمل التفانين المختلفة. الطريق إلى قلب الرجل معدته، مثل قديم و لكنه من الواضح أنه خُزن فى العقل الا واعى لجميع النساء و خاصة مع توافر الإمكانيات و زيادة الرفاهية.

بدأت معركة الطعام و أخذت النشوة الخطيب من هول ما رآه و جمال ما أذابه لعابه من أطعمة رائعة المذاق. باغتته خطبيته قائلة:

ها إيه رأيك بقى يا سيدى.

هو فيه أطعم و لا ألذ من كده.

مش قولتلك شوربة الطماطم ديه ابيتيزر حلو قوى.

أصلى عمرى ما دقتها قبل كده صراحة.

هى طعمة قوى لما تتسبك كويس و يتحط معاها بطاطس عشان قوامها يبقى مزبوط و يا سلام بقى لو جربت معاها العيش المحمص ده (و ناولته بعضهم).

يا سلام على الطعامة قالها وأسنانه تعمل فى دك العيش المحمص.

جرب بقى شوية السلاطة ديه كمان (وقد غرفت له كبشة).

(مندهشًا) إيه ده هى ديه سلاطة.

آه بس ديه بقى اختراع.

عبارة عن إيه.

أبدًا يا سيدى. جبنة شيدر مقطعة مكبعات صغيرة و فلفل رومى أخضر و أحمر و أصفر و كيوى.

أول مرة أعرف إن الكيوى بيتحط فى السلاطة.

(بضحكة واثقة): أنت فاكر إيه ده أكل زى بتاع الفنادق بالزبط.

رفع الملعقة الممتلئة ليتذوق السلاطة. اختلطت المكونات مع بعضها البعض فى فمه. المقبلات تفتح الشهية و هكذا عملت عملها السحرى. اتسعت بطنه لتكون أرضًا لهذه المعركة. اكتظت المعدة لكثرة واختلاف مريديها من شيش طاووك و ديك رومى و لازانيا و مشروبات مختلفة من العصائر و المشروبات الغازية مما اضطر المعدة لشن أولى غاراتها على الأطعمة المتراصة حتى تتم عملية الهضم.

هلموا إلى القبو

انتصب الجميع لما سمعوا الإنذار ببدء الغارة. اطمأن رب الأسرة أن جميع أفراد أسرته قد احتضنهم القبو حتى ينتهى القصف العشوائى للمدفعية على المدينة. حوت أفراد الأسرة رشفات قليلة مخففة من شوربة الطماطم. رأفت أجهزتهم الهضمية بهم، فأمرت العصارات بإذن ربها أن تشكل كردونًا حول ما رشفوه لحمايته من الهضم لأطول فترة ممكنة على حين اندفع سيل الانزيمات الهاضمة فى معدة الخطيب مثلما اندفعت القذائف لتقضى على الأخضر و اليابس فى المدينة بلا تفريق. و على عكس القذائف الموحدة، تنوعت الانزيمات الهاضمة لتنوع الغزاة من سكريات و بروتينات و كربوهيدرات بسيطة و مركبة ، فما كانت شوربة الطماطم سميكة القوام إلا كالإنذار، يدق أجراسه كى ينبه أهل البلد المعتدى عليها باقتحام الغرباء كى يستعدوا للقتال.

Comments

comments