رمضان في الغربة 1

أذان المغرب يتردد في صوت خافت لا يسمعه العابرون في الشوارع ، يهل الناس للمسجد أفواجاً مستبشرين .. رجالٌ ، نساءٌ ، صِبيةٌ ، أطفالٌ ، و شيوخ. يحملون في أياديهم ما استطاعوا إليه سبيلا. دقائقٌ قليلة و تمتلئ المائدة التي في وسط حديقة المسجد بأصناف المقبلات. تمر ، فاكهة ، حلوى ، عصائر ، و أط
باق تقليدية لا تعلم من أي بقعة في العالم جاءت. تمتمات ترتفع للسماء أن “اللهم لك صمنا و على رزقك أفطرنا” ، و ابتسامات على وجوه الجميع. أطفالٌ يعدون حولك ، تتساقط من أيديهم فتات الكعك و الحلوى ، و ترتفع ضحكاتهم فتملأ الأثير بالبهجة.

 

صلاة المغرب جماعة ، يليها الطقس اليومي الرمضاني حيث تنطلق جماعة من المتطوعين لكي يعملوا بهمة لتقديم الطعام للصائمين. دقائق قليلة ثم تمتلأ المناضد المتراصة في حديقة المسجد بصنوف الشهي من الطعام و ترتفع المسامرات بين الحاضرين.

السلام عليكم أنا من مصر .. أنا من إيران .. أنا من لاتفيا .. أنا من باكستان .. من روسيا .. من السودان .. من بنجلاديش. هذا ليس حواراً تخيلياً ، هذا واقعٌ يومي على مائدة افطار ، في مسجد صغير ، على أطراف الأرض ، لا يعبأ فيه أحد ان كنت أبيض أو أسود ، سُنة أو شيعة .. أنت الآن مسلم ، مسلم و فقط.

يؤذن المؤذن لصلاة العشاء و التراويح ،يصطف الحاضرون للصلاة، ثم

يبرز السؤال المنطقي: و ماذا عن الأطفال؟

لا داع للقلق. ففي كل ليلة تأتي ال “sister Darine” كما يسمونها ، أو البطل الخارق كما

رمضان في الغربة 2تراها الأمهات بحقيبة مليئة بالمعدات الفنية من ألوان و صلصال و أشعال يدوية و غيرها ، و بحرفية شديدة تستحوذ على انتباه الأطفال حتى تفرغ أمهاتهم من أداء الصلاة. في نهاية الليل ، يعود الأطفال إلى منازلهم ، محملين بأعمالٍ الفنية ، و صداقاتٍ جديدة ، و ذكرياتٍ حافلة لرمضان الذي لا يريدون له أن ينتهي.

يقارب رمضان على الإنتهاء ، فيتسلم كل طفلٍ في المسجد ورقة بها ثلاثة أمنيات فارغة لهدية يتمناها للعيد. يسطر كل طفل أمنياته ، و يترقب بفارغ الصبر صباح العيد.

صباح العيد ..

حديقة المسجد مزينةٌ بالبهجة ، صنوف من الحلوى و دخان القهوة ، و منضدةٌ في الركن القصي تراصت عليها أكوام من أكياس الهدايا يحمل كل منها اسم صاحبه. يُنادى على الأطفال اسماً وراء اسم ، تَرقَبُ بجذلٍ وجوههم الصغيرة و هي تتحول من الإنتظار الحذر إلى البهجة الخالصة حين يفضون غلاف الهدية فيجدون بداخلها .. احدى أمنياتهم الثلاثة.

فرحةٌ صادقة و امتنانٌ خالص لله أن رزقنا في غربتنا هذي ما يذيق أطفالنا حلاوة رمضان ، و بهجة العيد.

ربما لا ترتفع القباب و المآذن حوله من كل جانب. ربما لا يمكنك تمييزه أصلاً و أنت عابرٌ في الطريق بمبناه الصغير و لافتته البسيطة. ربما لا يحظى صوت إمامه الأسمر الذي لازال يتتعتع في القرآن بعذوبة صوتِ شيخ اعتدت كآلاف غيرك الصلاة خلفه. لكن شيئاً ما في هذا المسجد الصغير يلمس قلبك كلما أتيته في رمضان زائراً ، كإحساس دافئ يتسلل إليك و يغمر روحك بالسكينة. كإحساس البيت .. بيت الله. — at Masjid Al-Taqwa

Comments

comments