جماعات الضغط الأمريكي

غرفة خافتة الإضاءة ، يجلس فيها رجلان يرتديان ملابس فاخرة. يناول أحدهما الآخر مظروفاً منتفخاً بالأوراق المالية الخضراء ، فيضعه في جيب سترته و هو يبتسم في غموض.
ربما كانت تلك هي الفكرة السينمائية التي يتخيلها معظمنا عن طبيعة عمل جماعات الضغط أو اللوبي ، و التي يبرز دورها عادة كلما ارتفعت وتيرة العدوان الإسرائيلي على الأراضي المحتلة وسط دعم غير مشروط من الإدارة الأمريكية. لكن الحقيقة الصادمة أن نشاط تلك الجماعات يتم في وضح النهار و بدون أي مخالفة دستورية.
الحقيقة الصادمة أنه ، و بحكم القانون ، يتعين على كل لوبييست بالكونجرس الأمريكي أن يسجل أسماء الجهات التي تدفع له بانتظام مبالغ سخية لكي يدافع عن مصالحها و أن يفصح عن حجم تلك الأموال التي يتقاضاها.

و هو ما يدفعنا بالضرورة للتساؤل عن طبيعة النظام السياسي الذي يقنن وجود جماعات ضغط كتلك ، و لماذا يسمح بنموها بهذه الشراهة؟ و عن دور تلك الجماعات في صناعة و تشكيل السياسة الأمريكية.

تتطلب إجابة السؤال الأول فهماً لأحد أهم المبادئ التي تأسست عليها الولايات المتحدة الأمريكية و هو مبدأ الحرية أو ال liberty. الحرية بمفهوم الآباء المؤسسين كانت تعني عدم تدخل الحكومات في سلوك و نشاط الأفراد ، و بناء عليه لم تكن فكرة تنظيم أو الحد من نشاط جماعات الضغط مطروحة من الأساس لتعارضها مع مبدأ الحرية.
تتطلب إجابة السؤال كذلك فهماً لطبيعة جماعات الضغط.
جماعة الضغط أو اللوبي نشأت في الأصل لكي تكون مختلفة عن الأحزاب السياسية. ففي الوقت الذي تعنى فيه الأحزاب باختيار ممثليها من الأفراد ، ينصب اهتمام جماعات الضغط بالأساس على السياسات و ليس الأفراد.
لا يقتصر نشاط تلك الجماعات على القضايا السياسية ، بل يمتد ليغطي شريحة واسعة من الاهتمامات. فهناك جماعات تمثل مصالح رجال الأعمال ، جماعات ترعى حقوق العمال ، جماعات مهنية ، جماعات أيديولوجية ، و جماعات تعمل على حفظ حقوق المواطن. و نظراً لتنوع أنشطة تلك الجماعات ، كان الرأي الذي غلب على ظن المشرع الأمريكي هو أن هذا التنوع يشجع على تنافس المصالح بين فئات المجتمع المختلفة الممثلة في تلك الجماعات ، مما يؤدي في النهاية للاتزان بين تلك المصالح بعضها البعض.
لكن الواقع ليس دائماً بهذه البساطة. فعلى سبيل المثال تقف جماعة ضغط كالرابطة الطبية الأمريكية التي تجاهد من أجل زيادة الدعم الطبي للأطباء في مواجهة جماعات ضغط أخرى عملاقة تتضارب مصالحها مع مصالح الأطباء كشركات الأدوية و شركات التأمين الصحي و المستشفيات ، مما لا يجعل أمام الأطباء فرصة للمنافسة.

كيف تتكون إذن تلك الجماعات؟

Politician Payoff --- Image by © Images.com/Corbisتعتمد جماعات الضغط على وجود هيكل إداري متكامل يحتوي على صناع قرار و قادة قادرين على التواصل مع مختلف اللاعبين السياسيين. تعتمد كذلك على وجود هيكل مالي منظم قائم على اشتراكات الأعضاء و تبرعات المتعاطفين لتوفير الدعم المادي اللازم لأنشطة الجماعة. و لكي تحافظ تلك الجماعات على استمرارية و نمو هذا الهيكل ، تولي اهتماماً بالغاً بتوفير خدمات متعددة لأعضائها تشمل مختلف أنواع الدعم النفسي و المادي.

و هنا نأتي للسؤال الأهم: كيف يمكن لجماعة الضغط التأثير في صناعة و تشكيل السياسة الأمريكية؟

يوجد عدة طرق للتأثير في صانع القرار الأمريكي. تشمل الضغط المباشر أو اللوبيينج ، كما تشمل كذلك استغلال القضاء و تشكيل الرأي العام .
الأمر أشبه بتكوين شبكة واسعة من العلاقات و المصالح. ينظر الكونجرس مشروع قانون لا يصب في مصلحة جماعة بعينها ، فتنشط تلك الجماعة باللوبيستس الذين يمثلونها في الضغط على أعضاء الكونجرس لتعطيل مرور هذا القانون.
رأينا هذا السيناريو يتكرر مراراً مع كل قرار سياسي يتعلق بإسرائيل ، كما رأيناه كذلك في مناقشات الكونجرس لقطع المعونة عن مصر. حيث دفع المجلس العسكري مبالغ طائلة لشركات لوبيينج متخصصة و أعضاء كونجرس سابقين للدفاع عن تدفق أموال المعونة الأمريكية بدون اشتراطات تتعلق بحقوق الإنسان.
يشمل اللوبيينج كذلك التأثير على الرئيس الأمريكي عن طريق مسئولين رفيعي المستوى كمستشاريه و ممولي حملاته الإنتخابية.
و لكي يمكنك تخيل حجم تأثير تلك الجماعات ، فيكفي أن تعلم أن عدد ممثلي جماعات الضغط المسجلين بالكونجرس الأمريكي يقدر بعشرات الآلاف ، و أن ما لا يقل عن ثلاثين من مستشاري أوباما المقربين ذوي خلفيات وثيقة الصلة بجماعات الضغط.

فماذا عن إسرائيل؟؟

توصف جماعة الضغط الإسرائيلية AIPAC (American-Israel Public Affairs Committee) بأنها الجماعة العرقية الأقوى على الساحة السياسية الأمريكية. لا تكتسب أفكار تلك المنظمة شعبية فقط في صفوف اليهود المؤمنين بالصهيونية ، لكنها تلقى كذلك قبولاً لدى البعض من المسيحيين الأمريكيين المحافظين الذين يؤمنون بأحقية إسرائيل في أرض الميعاد تبعاً لتفسيرهم الديني.
امتد نفوذ تلك المنظمة للعديد من مراكز صنع القرار الأمريكية ، حيث أصبح من المعتاد أن يشارك أكثر من ثلثي أعضاء الكونجرس بالإضافة للرئيس الأمريكي في حضور مؤتمرات تلك المنظمة.
في عام 2005 ، ثارت اتهامات ضد AIPAC بالتخابر لصالح إسرائيل في واقعة تسريب معلومات عسكرية أمريكية سرية للحكومة الإسرائيلية عن طريق أعضاء من المنظمة ، لكن تم تسوية تلك الواقعة لاحقاً بشكل ودي.

مصادر:
http://bit.ly/1uGxm8Q
http://wapo.st/1fERRem
http://bit.ly/1aKoR3M
http://bit.ly/1rnygS6

 

 

Comments

comments