تعلمت من الغربة
‫#‏فروق_ثقافية‬

في أول أسبوع لوصولي لأمريكا، كان عندي شوية أفكار مغلوطة عن الغرب و عن الناس و عن ايه اللي أتوقعه و ايه اللي ما أتوقعوش. شوية بشوية ابتدت الأفكار دي تتصلح و ابتديت أستوعب الفرق ما بين ثقافتنا و الثقافات التانية، فححاول ألخص اللي اتعلمته على قد الذاكرة .. جايز الكلام ينفع حد.

-الطبيعي برة إن حضرتك لما تدخل على أي مجموعة من الناس: جيران في أسانسير، عامل في مطعم، سواق في أتوبيس، أو حتى واحد ما تعرفوش جت عينك في عينه في الشارع إنك تبتسم و تسلم. معظم المحلات الكبيرة بتعين واحد مخصوص كل وظيفته في الحياة إنه بس يبتسم في وش اللي داخل المحل و يرحب بيه.

-الطبيعي برضه إنك لما تبقى داخل مكان و فيه ناس داخلة وراك إنك بتفضل ماسك الباب لحد اللي جاي بعدك ما يدخل، حتى لو كان الشخص ده بصحته و مش شايل حاجة تقيلة. و في المقابل لما حد يمسك لك الباب و أنت داخل .. بتشكره .

- فيه حاجة الناس في الغرب بيقدسوها اسمها المساحة الشخصية. فلما تبقى في مكان مزدحم حاول على قد ما تقدر تحافظ على المساحة الشخصية للي حواليك من غير ما تزعجهم باقتحامها. ده معناه إنك ما ينفعش تبص من فوق كتف واحد مثلاً على سلعة انت مهتم تشتريها أو صنف أكل معروض في مكان زحمة. ده معناه برضه إنك تلقائي تدور في أي حتة تروحها على الطابور فين ، و تلتزم بيه.
المثال التاني على المساحة الشخصية هو الأطفال. ملاعبة طفل صغير و لمسه و لو بالمسح على شعره ، و اعطاؤه حلويات .. دي كلها حاجات ما ينفعش تتعمل غير بعد استئذان أهله الأول ، و الموضوع ده مفهوش هزار.

-في الشارع، وبشكل عام، كل واحد في حاله. و التطفل بالنظرات و بالتعليقات بيكون سلوك اجتماعي مستهجن. في شوارع أمريكا شفت راجل حامل! أيون .. قصة ملعبكة كده كانت أوبرا وينفري عملت عليها حلقة من كام سنة. شفت مشاهير من بتوع هوليوود و محدش اتلم عليهم و لا حاجة. و شفت أسرة شكلهم كأنهم خارجين للتو من إحدى قرى أفغانستان. في جميع الأحوال محدش بيتطفل أو بيعلق.

-في الغرب حتكتشف ان مفيش حاجة اسمها عامل البنزينة ، و عامل الدليفري ، و عم محمد البواب! الناس هنا بتعتمد على نفسها في كل حاجة تقريباً لأن العمالة غالية و مش دايماً متوفرة. و بالتالي ، حضراتكم اللي حتشتروا طلبات البيت ، و توصلوا الولاد المدرسة ، و في الأغلب مش حتعرفوا تجيبوا حد يساعدكم في البيت غير لو دفعتوا له مبلغ محترم.

-استكمالاً على نقطة العمالة فيه معلومة تتعلق بالبقشيش. لو حضرتك رحت اتعشيت في أي مطعم من اللي فيهم خدمة و طلبت الحساب. العرف و المفروض و المتوقع هو انك حتسيب فوق مبلغ الفاتورة بقشيش للعمالة اللي خدمتك. البقشيش ده مش الفكة اللي حضرتك مستغني عنها، البقشيش نسبة متعارف عليها من الفاتورة بتتراوح ما بين ١٥-٢٠٪. معظم الناس اللي بتبقى شغالة في المطاعم أصلاً بيكونوا طلبة جامعيين ، و جزء كبير من دخلهم بيعتمد على البقشيش ده.

-المعلومة التانية تتعلق بالمواصلات. ركوب المواصلات العامة في الغرب (الأتوبيس ، المترو ، .. الخ) مش حكر على الطبقة محدودة الدخل. في المدن الكبيرة اللي السواقة فيها ممكن تستهلك ساعات زي لوس انجلوس، ركوب التاكسي بيعد من الرفاهيات. و حتى ركوب السيارة الخاصة فيه ناس مش بتفضله لأنه بيستهلك وقت و مجهود و بنزين و بيفضلوا عليه المواصلات العامة. الفرق الجوهري هو إن المواصلات العامة هنا .. آدمية. في كل أتوبيس مثلا فيه صوت مسجل بيوضح للركاب اسم المحطة الجاية، و الراكب اللي حابب ينزل بيشد حبل ممتد بطول الأتوبيس بيعمل صوت جرس فبيخللي السواق يقف في المحطة. السواق قانوناً كمان مطالب انه يساعد أي راكب معاق في الطلوع بكرسيه المتحرك للأتوبيس و تثبيت الكرسي بحزام امان.
لفترة كنت بأضطر أركب أتوبيس زحمة وقت طلوع المدارس و كنت ببقى شايلة ابني اللي ما كملش سنة. السواق كان -و بدون أي طلب مني- بيعلن في ميكروفون الأتوبيس إنه مش حيتحرك من المحطة غير لو حد وقف و ساب لي مكانه .. و كان بيعمل ده من نفسه كل يوم.

-أول قواعد السواقة اللي بتتعلمها في أمريكا هي إن المشاة لهم حق مطلق في الطريق. و برغم إن كل التقاطعات الرئيسية محكومة بإشارات للسيارات و للمشاة بتنظم عبورهم الشارع بسلاسة، إلا إنك ملزم قانوناً إنك تنتظر الشخص اللي قرر يعبر الطريق، حتى لو كاسر إشارة (و من غير تذمر). الأكتر كمان إن كتيب إرشادات القيادة بيعلمك إنك لو شفت واحد متردد مش عارف يعدي الشارع و لا لأ، فمجرد إن عينه تيجي في عينك دي في حد ذاتها علامة كافية تخليك تستنتج انه عايز يعدي .. فتستناه.

-مفهوم الطبقية مش موجود في الغرب بالشكل الصارخ اللي موجود بيه في مصر. الغالبية العظمى من الناس بتروح شواطئ عامة و حدائق عامة. يعني ما شفتش التفنن في اختراع النوادي المغلقة لغير الأعضاء و لا الشواطئ المقصورة على طبقة معينة زي ما حاصل في مصر. و آه .. ممكن جداً تلاقي عيلة على البحر في أكبر و أشهر شواطئ أمريكا قرروا ينزلوا المياه بهدومهم، و مع ذلك محدش بيتعرض لهم لا بالغمز و لا باللمز و لا بالتجريس زي اللي بيحصل عندنا.

-حاجة تانية احتجت وقت برضه عشان أستوعبها هي إن الناس كلها هنا بتستعمل البريد. اللي هو حتة ظرف عليه طابع بوسطة ده و عمره ما كان بيوصل في مصر! هنا المراسلات الرسمية و البطاقات الشخصية و دفع الفواتير و كروت الائتمان و غيره و غيره كله بيوصل في البريد. و مفيش حاجة بتضيع .. و لا بتتسرق.

-أولويات الالتزام الديني بتختلف ما بين كل ثقافة و أخرى. فمثلاً الحجاب عادة ما بيكون منتشر بين المسلمات اللي من أصول عربية، في حين بتهتم المسلمات اللي من أصول هندية أو باكستانية أكتر بلبس الزي التقليدي لبلادهم ،خاصة في المناسبات، و بدون غطاء رأس. في المقابل معظم المسلمين اللي من أصول باكستانية اللي قابلتهم بيتمسكوا بأنهم ما ياكلوش غير اللحوم المذبوحة طبقاً للشريعة حتى مع وجود أكتر من فتوى بتبيح أكل اللحوم الأمريكية المعتادة باعتبارها مذبوحة بطريقة أهل الكتاب. تاني .. مسألة ثقافة و أولويات.

-لما تبقى واقف وسط مجموعة مش كلهم بيتكلموا عربي، اجتهد ان كلامك يبقى باللغة المشتركة ما بين الجميع. الموضوع ده بيتكرر في تجمعات المسلمين لأن العرب أول ما بيلاقوا بعض بينطلقوا في الحوار بالعربي و ما بيستوعبوش غير بعد شوية لما يلاقوا اللي واقف معاهم بيبص لهم بحيرة، فيعتذروا و يبتدوا الترجمة. لما تبقى في الشارع برضه ما تاخدش راحتك قوي في الكلام بالعربي على اعتبار ان محدش فاهم حاجة. ما تعرفش اللي جنبك ده أصله منين و لا سافر أنهي بلاد. فيه واحدة صاحبتنا اتعرضت لموقف محرج إنها كانت في غرفة انتظار في مستشفى و قالت لزوجها بصوت عالي إنها عايزة تغير الكرسي بتاعها عشان الراجل اللي جنبها عيان و خايفة يعدي الولاد. الراجل اللي جنبها راح بكل بساطة قايم من على الكرسي و قال لها “ما تقلقيش يا مدام” .. بالعربي!

الكام نقطة الجايين خاصين بالسيدات:

-لو أنت محجبة فغالباً حتقابلي نوعين من الرجال. نوع مش فاهم قوي يعني إيه حجاب و لا أنت لابساه ليه فبيتعامل عادي. العادي بتاعه ده معناه أنه بيعتبر كلمات الإطراء على المظهر مجاملة ليس إلا. الأمر كمان بيتطور في حالة زملاء العمل و الدراسة لاعتبار العناق نوع من التحية الودية. في الحالة دي بتبقي محتاجة توضحي حدود التعامل بشكل مهذب، و الناس بسرعة حتتفهم. حتقابلي برضه نوع تاني احتك قبل كده بسيدات محجبات فده بيبقى واعي كويس للفروق الثقافية و الدينية لدرجة انه بيستأذنك قبل ما يمد ايده بالسلام .. النوع ده بيريح.

-مفيش عند الغربيين ثقافة الحسد. يعني حتبقي ماشية بابنك الصغير في الشارع فتلاقي اللي يقولوا لك ده جميل قوي، و على طول بيضحك! هو اتولد وزنه كام؟ ده وزن كويس جداً .. الخ. و أنت طبعاً حتستدعي كل آيات الرُقية اللي والدتك حفظتهم لك، و حتمسكي لسانك انك تقولي في وشهم بصوت عالي “ما شاء الله” لحسن يفتكروكي بتعلني عليهم الجهاد صديقة أمريكانية كانت بتحكي لي على ابن صاحبتها اللي عنده سنة و اللي هي كانت البيبي سيتر بتاعته و قعدت تقول لي ده بياكل كتير جداً ، أنا ولادي ماكانوش بياكلوا كويس كده! و رصت لي لستة الحاجات اللي البيبي أكلها من الصبح و أنا بأضحك و بأقول لها لو صاحبتك دي كانت مصرية و سمعتك بتقولي كده كانت قطعت علاقتها بيكي في الحال!

-مفيش حاجة اسمها لما واحدة تظهر إعجابها بحاجة معاكي انك تقولي لها اتفضليها! الكلمة أصلا مالهاش مرادف في الانجليزي، و لو فُرض و لقيتي لها مرادف محدش حيفهم انت قصدك ايه. في أول أيام وصولي اتعرضت لكام موقف من النوعية دي و كأي مصرية أصيلة كنت بأقول “اتفضليها”. أول واحدة قالت لي بجد؟! ..!! تاني واحدة كانت أمريكانية بتقول لي طرحتك حلوة فلما قلت لها اتفضليها افتكرت اني حأقلعها لها في وسط المحل فجالها حالة ذعر و قعدت تشاور لي بايديها و تقول لي لا لا لا .. و من ساعتها اتعلمت أقول شكراً و بس. الكلام ده برضه ينطبق على كل عبارات المجاملة اللي بنقولها زي انت الأحلى ، ده عينك اللي حلوة .. الخ الخ. محدش حيفهم الكلام ده و حيبصوا لك باستغراب. قولي شكراً و بس!

دي شوية الفروق الثقافية اللي افتكرتها من واقع تجربتي الشخصية ، و أكيد فيه أضعافها. و أكيد برضه ان الواحد بيتعلم حاجات جديدة كل يوم.

Comments

comments