تخيل أن طريقة تفسير كلمة واحدة فقط في مجتمع ما قد يرسم لك صورة كاملة عنه.

“فضيحة”.
ما هي أول فكرة خطرت ببالك عندما قرأت هذه الكلمة؟
دعني أخبرك. أكاد أجزم أن الشيء الوحيد الذي خطر ببالك هو “الفضيحة الجنسية”، وهذا يخبرك الكثير عن الطريقة التي نفكر بها. تقريبًا نحن لا نعتبر أي نوع مشين آخر من الأفعال على أنه فضائح. ماذا نسمي مثلًا الكشف عن أن جهة ما تسرق أموالًا بغير حق؟ الحد الأقصى هو أن نطلق عليها “فاسدة”، مع أن البعض قد يعتبرها نوع من “الشطارة والفهلوة”. حتى كلمة ضعيفة نوعًا ما مثل الفساد لا تطلق إلا على الجهات “غير المسنودة”. مثلًا، هل تعتقد أن ياتي اليوم الذي ترى فيه عنوانًا مثل هذا في جريدة: “الكشف عن الفساد المالي في الجيش”؟ مستحيل بالطبع.

“فضيحة علمية.”
في الغالب لن تمثل لك هذه الجملة أي شيء. العلم ليس من الأولويات في مجتمعاتنا، وبالتالي هو لا يمتلك أي قيمة. أنت تعيش في مجتمع لا يعتمد على العلم كمصدر دخل مثلًا، أو مصدر لاكتساب مكانة عالمية، لذا فشيء مثل “السمعة العلمية” هو آخر ما قد تفكر به.

سأعرض مثالين لمجتمعين، أحدهما تقع فيه “الفضيحة العلمية” على قمة الفضائح التي قد يتعرض لها الإنسان أو الدولة، ومجتمع آخر لا يعترف بالمصطلح أصلًا.

(1)
——————————————-
مصر – الهيئة الهندسية للقوات المسلحة:

يظهر شخص مجهول الهوية يتحدث عن إختراع سيقلب موازين صراح البشر مع الفيروسات، وذلك على خلفية أحداث سياسية بالدرجة الأولى. تبدأ أسماء معروفة محليًا بالتأكيد على صحة كلامه، وتعمل كل وسائل الإعلام على نشر الخبر، بل ويعقد مؤتمر “عالمي” للإعلان فيه عنه.

بمرور الوقت، تتكشف الحقائق، ويظهر أن الأمر برمته مجرد “مقلب” سخيف.
رد الفعل؟ لا شيء، مجرد اتهامات بالتخوين، طلبات بإعطائهم “فرصة أخرى”، ونفس الأشخاص الذين تم “فضحهم علميًا” لازالوا يظهرون على وسائل الإعلام ويتبجحون حول الأمر، ولازال هناك من يصدقهم!

(2)
——————————————-
اليابان – معهد ريكين:فضيحة

هاروكو أوبوكاتا، امرأة في أواخر العشرينيات من العمر تم تعيينها لرئاسة فريق بحثي في معهد ريكين في مجال الخلايا الجذعية. من يسمع عن معهد ريكين فسيدرك تمامًا ما يعنيه ذلك: هذه المرأة عبقرية؛ فمعهد ريكين هو معهد بحثي شديد الشهرة على المستوى العالمي.

أعلنت أوبوكاتا في يناير 2014 أنها توصلت لطريقة ثورية جديدة تسمح للخلايا استعادة صورتها الأصلية بغمرها في محلول حمضي، هذا يعني أن ترميم خلايا الجسم التالفة من أي نوع من الممكن أن يتم بهذه البساطة. لتستشعر تأثير هذا الإكتشاف، يكفي أن تعلم أنه قد نشر في مجلة “نيتشر”، واحدة من أكثر المجلات العلمية شهرة وإحترمًا في العالم.

مضى شهر، وبدأت الكثير من التساؤلات والشكوك تحوم حول النتائج، وذلك بعد أن فشلت العديد من المراكز البحثية حول العالم في الوصول لنفس النتائج بعد قيامهم بنفس التجربة بالطريقة التي نشرتها أوبوكاتا (نعم، معهد ريكين لم يعتبر أن مثل هذا الإكتشاف الذي سيغير قواعد علم الأحياء أسرارًا عسكرية يجب ألا يتم الإفصاح عنها).. ازداد الضغط إلى الحد الذي دفع بمعهد ريكين لعقد مؤتمر صحفي -بحضور رئيسه شخصيًا- ليعلن فيه أنه بناءًا على الإنتقادات التي وجهت فقد قام بإجراء تحقيق داخلي حول الأمر، و اعترف بوجود أخطاء في أبحاث أوبوكاتا التي قد تصل لمستوى التزوير. في المؤتمر الصحفي الذي عُقد للإستماع لتصريحات أوبوكاتا حول الموضوع بدت كالمرأة المكلومة: شاحبة، متلعثمة، تعتذر كثيرًا، ثم الدموع التي لم تتوقف (فقط أعقد مقارنة سريعة بمنظر عبد العاطي وهو يتحدث).
و تم سحب البحث من مجلة نيتشر.

أحد زملاء أوبوكاتا في هذا البحث المشئوم كان ساساي يوشيكي، وهو عالم مشهور في المجال وله الكثير من الإنجازات، ويعمل كنائب مدير مركز أبحاث الأحياء التطويرية بمعهد ريكين، عُثر عليه منتحرًا اليوم على خلفية تداعيات الفضيحة.

(3)
——————————————-
مصادر:
1- قصة أوبوكاتا بالتفصيل: http://goo.gl/TTQmJV
2- خبر الإنتحار: http://goo.gl/C4bAfB

 

Comments

comments