10639460_10152312162121231_5804178432070198277_n

 

 

ثمة قرار فكري اساسي قبل أي فعل “ثوري”
هل الثورة فعل جمعي يستوجب اتفاق جميع الأطراف؟ أم هو فعل “فئوي” طبقي؟

رأي المستشار البشري، رأي ريتشارد فلوريدا، أن ثمة تيار أساسي بوصف البشري، أو طبقة خلاقة متجانسة من مختلفين هي من يقوم بتحريك المجتمع في اتجاه التقدم.
وفي كل الطرحين فيما أرى رؤية أن المجتمع وصل لنقطة ما من الاتفاق بين الأضداد على “دستور” أو وثيقة أخلاقية حاكمة فيما بينهم… و بتلك الوثيقة يمكن البناء.

بحسب فهمي، لم تصل أوروبا لتلك النقطة بدون حرب خسرت فيها أكثر من 20 مليون مواطن، وحروب أخرى كثيرة، حتى اكتفت الأرض من الدماء، و اكتفى أهل أوروبا من النزاع ورضوا بالاختلاف في حتى تحديد مفهوم “الرب” و “الدين” و “الجنس”، بل وحموا ذلك الاختلاف. ولم تصل أمريكا إلى نفس النقطة و “التأسيس” بدون حرب أهلية… ولم تصل تركيا لتلك الوثيقة الجامعة الملزمة المسماه بالدستور قبل عدة انقلابات عليها … وربما لم تستقر بعد!

وعليه فإن الحديث عن القرار “الثوري” الجامع للأطياف هو رفاهية، لا تملكها إلا شعوب دفعت ثمن تلك الرفاهية… فيما أرى. هل سندفع الثمن؟

في المقابل، هناك نظرة للثورة على أنها تغلب طبقة اجتماعية على طبقة اخرى… في نظر ماو (الصيني). هكذا ببساطة، يجب أن تتغلب طبقة على اخرى.

فإذا سلمت ابتداءا، أن السلطة الحاكمة حاليا هي “طبقة” حاكمة، تملك الحكم بشكل استبدادي، و تعيش في “مساكن الظباط” ، و نوادي الظباط، و مستشفيات الظباط، و تحتكر حمل السلاح لحماية تلك المكتسبات، و زيادتها بثبات. فربما يكون الفهم الحالي، هو أنها “طبقة” تغلبت على بقية الطبقات، و ربما يجب أن تتغلب عليها طبقة أخرى ثم تفرض واقعا مغايرا… لصالح طبقة جديدة؟!

تاريخ الثورات الاشتراكية يمتلىء عن آخره بتغلب طبقة العمال على الطبقة البرجوازية، بل إن الثورات الملونة في شرق أوروبا كانت ثورات عمالية لحقوق اكبر لشريحة “العمال” لتلك الطبقة الاجتماعية… أي انها في مجملها ثورات فئوية، ولو انتهى بها الحال جميعها لتكون دولا رأسمالية!

و التاريخ العربي كله اسماء لدول قامت على اساس “طبقي أسري” كدولة الأمويين و العباسيين… بل إن التاريخ الفرعوني نفسه تاريخ “اسر” ، الأسرة الأولى … الاسرة الثلاثين، كلها تغلب بين الأسرة الواحدة أو الطبقات المختلفة في ذات المجتمع.

بهذا الفهم، أن الثورة تغلب “طبقة” على طبقة أخرى. و أن ثمة تواجد ضروري وواضح لطبقة اجتماعية أو فكرية تخرج محملة بالقوة لفرض واقع و سلطة جديدة. فإن حالة “الاحتراب الفكري” او الطبقي المجتمعي عامل اساسي في اشعال اي ثورة… وليس فكر “كلنا ايد واحدة”.

و أن تلك الثورات التي بنيت على “كلنا إيد واحدة” مثل الثورات الملونة بين العمال و بقية طوائف المجتمع وفكر الاعنف من بابه… انتهت بنتائج منافية تماما لمبادئ الثورة الأساسية. كثورة بولندا و أوكرانيا… إذ كيف يمكن لثورة عمالية، لتحسين أوضاع العمال بأن تنتهي لأن تكون الدولة رأسمالية؟

ومع فهم، أن الاحتجاجات الفئوية، أو حتى الطبقية كتلك التي اجتاحت اوروبا، بعد الحرب العالمية الثانية كانت بالأساس لطلبات “اشتراكية”، ومنها مثلا احتجاجات عمت ايطاليا وقت فرض الأمريكان لخطة مارشال لإعمار أوروبا.

كانت أمريكا قدر قررت على يد ترومان حماية أوروبا من التمدد الاشتراكي الشيوعي بان تعتمد خطة لبناء تركيا و اليونان! تركيا عدو الأمس، أمريكا تحاول أن تجعلها دولة “عازلة” توقف المد الاشتراكي على أوروبا.

ولكن الفكر الاشتراكي وقتها كان مكتسحا، ولم يكن هناك بد من خطة اعمار كاملة لاوروبا المنهارة اقتصاديا، و إلا ستقع فريسة في يد الفكر الاشتراكي، وقد تخسر أمريكا الحرب الباردة التي تلت الحرب العالمية الثانية مباشرة.

المهم، ان أوروبا، و أهلها كانوا يروا في الاشتراكية حلا للفقر و البطالة بعد الحرب. خصوصا للعمال. بينما رأت أمريكا و قادة أوروبا أمرا آخر… و رأت الكنيسة في مشروع أمريكا الفكري حبا للمسيح أكثر من الشيوعية. وكان مشروع “خطة مارشال” لأوروبا… أوروبا ستعيد أمريكا بناءها مقابل الولاء الفكري… الاقتصادي. أمريكا تقرض باليمين المال، و تأخذه لشركاتها باليسار، و تدين أوروبا!

و عمت الاحتجاجات فرنسا و إيطاليا… احتجاجات ضد الرأسمالية، احتجاجات عمالية، و في تلك المساحة الضبابية من التنازع، لم تحسن طبقة العمال الفعل الثوري، بقطع الطرق و السكك الحديدية… لم يقبل الناس ذلك الفعل التخريبي، و انقلب الرأي السياسي (الديمقراطي) في أجواء ما بعد الحرب على العمال… و أصبحت أوروبا (فخفخينا) اقتصادية…. الاقتصاد المختلط… لا هي رأسمالية خالصة، ولا اشتراكية. و تم تنفيذ مشروع مارشال.

و اليوم ألمانيا المعجزة تدين بحياتها لأمريكا، و كذلك كل أوروبا الغربية، و أمريكا تعبث في أوروبا الشرقية لسجن روسيا و تفكيكها أكثر فأكثر. وروسيا تجيب…. تستجيب للتحدي الذي لم ينته بعد.

الشاهد، أن الفعل “الثوري” أيضا كان فعلا طبقيا خالصا، انتهى بتوجيه دفة الدولة، حتى مع تواجد قوى عظمى (أمريكا و روسيا) تتنازع عليه، لوضع وسطي. كذلك الحال في أوروبا. و النتيجة أوروبا الحالية.

الشاهد، أن الفعل الثوري هو في النهاية فعل “طبقي”.

وعليه، فإن حالة الاستقطاب و الاحتراب حول ما هو إسلامي أو علماني أو ليبرالي… أصلا فعل ثوري. حرب الهوية الفكرية… هو فعل ثوري.

و أن تمييع تلك الحالة، هو تمييع للحالة الثورية، أو تدمير لمكتسباتها عند نهايتها، أو بعد تجاوز الحراك الثوري إن تم أساسا.

و في الوقت الذي تُصدر فيه المخابرات الحربية كما يشاع وجوها بعينها لتمييع فكرة أنها ثورة إسلامية، مع أن أغلب الممتعضين من الحكم العسكري ومن يواجهوه بصدور عارية (مع اختلافنا معهم) هم اسلاميين بشكل خالص، فإن ثمة وجوه أخرى تتصدر المشهد؟

و في نفس الوقت تحرص جماعة الإخوان المسلمين، و الإسلاميين عموما على تصدير وجوه لا تُحسب على التيار الإسلامي (مثل د. مها عزام في المجلس الثوري، و قبلها في الائتلاف العالمي للمصريين في الخارج، … ) بينما الصف الثاني و الثالث و أحيانا الرابع إخوان مسلمين أو ابناء التيار الإسلامي… بينما يقف أبناء التيار الليبرالي أو العلماني حاليا موقف الخائف من عمل أي فعاليات “ثورية” انتظارا لإتمام ذبح عجل الإخوان تماما.

يعني، بينما يكون الأفضل للثورة أن تبقى حالة الاستقطاب و الاحتراب الحاد إلى لحظة الانفجار… يكون الحل المخابراتي هو تمييع تلك الصورة، و يكون حل “الإصلاحيين” ايضا تهدئة الوضع.. لأن التغيير بالنسبة إليهم لن يحدث في يوم وليلة، ولا يمكن اقناعهم بغير ذلك. لا يمكن شرح الثورة أصلا لهم.

يعني، نعم هناك عبث بمفهوم الثورة الأساسي، من الطرفين, من كل الأطراف، و لا يخدم ذلك بأي حال الثورة.

وعليه، لزم تصحيح المفهوم، ذلك ما أرى. ربما أكون مخطئا.

ولكن أتفق مع ماو: الثورة فعل تتغلب فيه طبقة على طبقة أخرى.
و أتفق مع ميكافيلي: التغيير هو فكر مدعم بقوة.

لا أرى أن جماعة إصلاحية ستكون يوما طرفا مباشرا في احداث “ثورة”، ربما دعمها.
احتاجت 25 يناير شخصا مجنونا بالتغيير مثل وائل غنيم، شخصا ساذجا و مباشرا مثل أسماء، ولكن لم تحتاج المرشد العام للإخوان المسلمين، ولا نضال الاعنف الإبريلي. ربما احتاجتهم بعد الفوضى مباشرة… تماما كما احتاجت الأولتراس… تماما كما تحتاج الفوضى اي كيان مُنظم… كالجيش مثلا؟!

لأن الأولى ( جماعة الإخوان) ستغير في عشرات الأعوام في المستقبل -ربما -! و الثانية(جماعة 6 ابريل)، تجهز الأرضية لنفس لحظة التغيير.

الثورة تغلب طبقة على طبقة. تتغلب طبقة على أخرى بالقوة.
ربما لم يأت وقتها بعد.

ربما لا نفهم الفرق بين “الفعل التحرري” المنظم المخطط له، الجاهز ببدائله للنظام القائم، عن الفعل الثوري الذي ندفع فيه الدولة للحظة فوضى لا يقيمها إلا الأكثر نظاما… الجيش أو الإخوان مرة أخرى.

ربما أصلا لو قامت الثورة الآن، لا نجد بدائل من أساسه لاننا لم نبذل جهدا للفهم أولا.

ربما لا نفهم أساسا… ولكن على الأقل نحاول

 

 

Comments

comments