تحكي رواية ” المِسْبَحة ” The Rosary([2]) ، قصة شاب ثري فنان مفتون بالجمال ، اسمه “دال” . وقد عَزَف عن الزواج على كثرة معارفه من النساء الحسان ، لأنه لم يجد بينهن الزوجة “المثالية” ، التي تجسد الجمال في عيني الفنان .

وتمضي الرواية في سرد الأحداث ، حتى تتبين لـ“دال” الزوجةُ المثاليةُ متجسدةً في صورة الآنسة “جين” : أقلِّ الشابات جاذبيةً وجمالا بين معارفه! رفضت “جين” عرض الزواج المغري الذي تقدم به “دال” – على شدة حبها له – خَشية أن تظلمه !  فهي ذات وجه يخلو من قَسَمات الجمال . أما هو فشاب فنان مرهف المشاعر ، شديد التعلق بالجمال أينما كان . لذلك كانت ترى نفسَها آخرَ من يصلح للزواج به ، وعنده من الجميلات ما يغنيه عن التفكير فيها .

أما هو – “دال” – فقد كان بحق مفتونا بالجمال ، إلا أنه حصره بدايةً في الشكل الخارجي ، ثم تحول تدريجيا مع “جين” ليتخذ مَنْحى آخرَ ، هو جمال الروح . فحين يُذكر سمو الروح ونبل الأخلاق وصدق المشاعر في الرواية ، فهذه الثلاثة تجتمع في “جين” ! فلم تكن “جين” بالنسبة له ” المرأة بسيطة الملامح ” ، كما كانت ترى نفسها . بل كان يراها المثل الأعلى لصفاء الروح ونبلها ، فكانت روحها تضفي نورا خاصا محببا على وجهها ” البسيط ” ، فإذا به أكثر إشراقا وروعة من البدر ليلة تمامه!

وبعد سلسلة من المحاورات والمناقشات ، تتفهم ” جين ” أخيرا وجهة نظر الفنان محب الجمال ، ذلك الجمال الذي لا تحده مفاتن جسد ولا محاسن وجه . فتقنع بصـــواب نظرته وخطأ تفكيرها ، وتعود هي لتصل ما انقطع بينهما من أسباب الوداد ، وترجوه أن يقبلها زوجة ، ويسامحها على سوء تقديرها ، فيقبل رجاءها ويتزوجان !

في الرواية تفاصيل وأفكار أخرى كثيرة تناقشها الكاتبة ، غير أن هذا المحور هو لب الرواية .

 

قد أبدلك الله خيرا منها:

حين أطبقْتُ صفحاتِ الرواية ، وتَفَكّرتُ في ذلك المعنى الأخّاذ للجمال ، تبدّى لي من بين ثنايا الذاكرة موقفُ الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، لما غارت أُمّنا السيدةُ عائشة رضي الله عنها ، من السيدة خديجة الطاهرة رضي الله عنها ، حتى بلغ بالسيدة عائشة أنْ قالت : ” ما تَذْكُرُ من عجوزٍ حمراءِ الشَّدْقَين ، هلَكَتْ في الدهر ، قد أبدلك الله خيرا منها ؟ ” . حينها غضب المصطفى عليه الصلاة والسلام ، وما كان يغضب إلا لحق ، ورد عليها الرد الذي خلدته صحائف التاريخ في مناقب السيدة خديجة الطاهرة رضي الله عنها : ” لا والله ما أبدلَني الله خيرا منها ، قد آمنت بـي إذْ كفر بي الناس ، وصدقتني إذ كذَّبني الناس ، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ، ورزقني الله عز وجل منها الولد إذ حرمني أولادَ النساء “([3]). وفي رواية : ” فغضب حتى قلتُ : ” والذي بَعَثك بالحق ، لا أذكرها بعد هذا إلا بخير” (4) . وقال r في مناسبة أخرى : “إني قد رُزِقْتُ حُبَّها(5) .

 

لقد كان وفاء الحبيب المصطفى لذكرى السيدة خديجة من القوة بمكان ، حتى كانت السيدة عائشة تغار منها وهي مُتَوفاة ! ومَنْ السيدةُ عائشة؟ هي الحُمَيْراء الشابة الجميلة ! إن موقف الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، درسٌ عمليٌ في حقيقة الجمال . فلم تذْكُرْ كتبُ السيرة الجمالَ الشكلي للسيدة خديجة رضي الله عنها ، بقدر ما أسهبت في وصف نبلها وكرم أخلاقها . ولا سجل التاريخ حسنها الباهر ، بقدر ما خلد وقفاتها العظيمة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولما رد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، على قول السيدة عائشة : ” عجوزا .. قد أبدلك الله خيرا منها ” ، وهي تعني الجمال الشكلي ، لم ينْبَرِ المصطفى عليه الصلاة والسلام ، لوصف المحاسن الجسدية للسيدة خديجة رضي الله عنها ، بل ذكر نبلَ خلقِها ووفاءَها وأصالةَ جوهرِها النادر . وتلك هي النظرة الصائبة لجمال الزوجة . فبهذا الجمال الخاص للسيدة خديجة استحقت أن تكون من الكاملات من النساء ، وأن يتنـزل ” جبريل ” عليه السلام ، يُقْرِئُها السلامَ من الله تبارك وتعالى ، ويبشرها ب ” بيت في الجنة من قصب ، لا صخب فيه ولا وصب ” .

 

مقالتي هذه ليست دعوة لنبذ الجمال ، وإنما دعوة لإنصافه . أنصفوا الجمال يرحمكم الله !

 

( 2 ) الكاتبة : فلورانس باركلي . والرواية مترجمة إلى العربية تحت عنوان “المسبحة” ، ضمن سلسلة “مطبوعات كتابي” ، التي تصدرها الدار العربية للنشر والتوزيع .

(3) الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر

(4) المعجم الكبير للطبراني

(5) صحيح مسلم

Comments

comments