فضفضة دكتوراة

فضفضة نهاية أول ترم في الدكتوراة ..

أول ما ابتديت الدكتوراة من كام شهر، جت لي حالة أشبه بال crisis of faith أو أزمة اليقين ..
السنتين اللي قبل الدكتوراة كانوا أكتر وقت حسيت فيه بمتعة التعلم. كنت ساعتها لسة داخلة مجال السياسة جديد، و بأدرس الكورسات اللي بيدرسوها طلبة البكالوريوس .. و كنت طايرة من السعادة!

يمكن صعب أوصف إحساسي ساعتها، بس كنت عاملة زي الطفل اللي بيستكشف حاجات جديدة كل يوم، و مع كل حاجة بيكتشفها بتترسم على وشه ابتسامة انبهار.

في السنتين دول اتعلمت دروس عن نشأة أمريكا و نظامها السياسي و أحزابها و جماعات الضغط، اتعلمت الأسس الفلسفية اللي قامت عليها أفكار زي الديمقراطية و الأيديولوجية، اتعلمت تفاصيل ما كنتش أعرفها عن السياسة الخارجية لأمريكا، عرفت لأول مرة يعني ايه سياسة مقارنة، و يعني ايه انك ممكن تاخد نموذج لثورتين في بلدين مختلفتين تماماً و تدور على المشترك ما بينهم.
في السنتين دول أستاذ من أساتذتي أصر إننا نحضر محاضرة بتنظمها الجامعة كجزء من المنهج، و اكتشفنا بعدها إن المحاضر هو جون بيركنز! أستاذة تانية استضافت مصورة حروب و معاها اتنين من العاملين بالإغاثة عرضوا علينا صور للحروب الأهلية في أفريقيا و شرحوا لنا حجم المأساة المتعلقة بتجنيد الأطفال هناك و اختطافهم (قبل هوجة فيلم كوني). أستاذة تالتة كانت بتعرض لنا في وسط محاضرات السياسة وثائقيات عن الفيمنزم و كنا بنناقش بعدها دور المرأة في الجيش و السُلطة و كل حاجة .. كل ده كان سياسة، و كل ده كان بالنسبة لي سنتين من المتعة المجردة.

فلاش فوروود حوالي سنة كمان تجهيز و تقديم و GRE و الذي منه، ثم أخيراً و بفضل من ربنا اتقبلت في برنامج الدكتوراة. و كان المفروض جدلاً اني حكمل نفس متعة التعلم .. لحد ما اتصدمت.
مواد جافة و أرقام و احصاء و برمجة و معادلات، نظريات قايمة على منطق براجماتي بحت، افتقاد للمغزى ورا كل اللي بأدرسه، و السؤال اللي بيلح كل شوية .. هو أنا ماشية في السكة الصح؟!

يمكن لحد الأسبوع اللي فات .. ما كانش عندي إجابة.

الأسبوع اللي فات، و في آخر محاضرة في مادة السياسة الدولية، الدكتور حيذكر بشكل عابر واحد اسمه “أمير”.
مجرد سماع اسم أمير وسط أسماء مكعبلة زي ميرشايمر، و دي مسكيتو، و والتز حيخليني أنتبه في الحال. و الانتباه ده حيزيد لما الدكتور حيقول إن أمير عمل نموذج محاكاة للتنبؤ بنتائج الربيع العربي، و إن النموذج ده بيستخدم دلوقت في دواير صنع القرار في واشنطن.
بحث سريع بعدها على جوجل حيعرفني بأمير المهاجر الإيراني المسلم اللي اتربى في أمريكا و التحق بأكاديمية عسكرية فيها و بعدين درس الدكتوراة بتاعته في نفس الجامعة اللي أنا بأدرس فيها و استخدم نفس المواد الجافة العملية اللي أنا متأففة منها دي في إنه يعمل نموذج المحاكاة اللي وصله إنه يتعين مستشار أول لوزارة الخارجية الأمريكية و يبقى في مكان يقدر يأثر فيه فعلياً في صناع القرار.
و بعيداً عن الإتفاق أو الاختلاف مع اختيارات “أمير”، و بعيداً حتى عن تحفظي شوية على نتائج نماذج المحاكاة اللي بتفتقر أحياناً المعطيات الدقيقة اللي تبني عليها تنبؤاتها، إلا إني ابتديت أقدر قيمة وجودي في مكان بيعلم الناس ازاي ياخدوا قرار سياسي بشكل علمي بعيداً عن التحيزات.

بعدها بكام يوم، حيكون عندي تسليم مشروع في مادة ال Quantitative research methods و حأدردش لأول مرة مع شوية “المقاطيع” اللي بأشوفهم كل أسبوع في محاضرة المادة دي من غير ما تيجي فرصة نتكلم فيها مع بعض. حأعرف بالصدفة من واحدة من المقاطيع دول إن جامعة تابعة للجامعة بتاعتنا بيتدرس فيها كورس عن العلاقات المدنية العسكرية اللي هي في صميم اهتماماتي، و اللي مكونتش لاقية حد متخصص فيها في جامعتي. و حأكتشف منها ان الكورس ده بيدرسه سفير أمريكا في باكستان لحد سنتين فاتوا .. يعني عز الطلب!

واحد تاني من “المقاطيع” دول، شاب شكله يادوب مكمل الثلاثين. حيطلع بيدير مشروع غير ربحي أسسه بقاله سنتين عبارة عن ملجأ للمشردين. حيطلع اتمرمط في كذا دولة من دول العالم الثالث (و منهم مصر) عشان يكتسب خبرة تخليه يبقى مسئول عن مصائر أسر كاملة بيستضيفها عنده و بيأهلها تعتمد على نفسها في أقصر وقت ممكن. حيطلع بيحضر الدكتوراة بتاعته (اللي غالباً اتداين بسببها) مش عشان يشتغل في وظيفة مرموقة أو يبقى بروفيسور كبير .. لأ، عشان يتعلم على أسس صحيحة ازاي يكبر مشروعه الغير ربحي و يديره بشكل علمي، و يخدم بيه الناس.

الأسبوع اللي فات علمني درس مهم .. إن وجودك في المكان ده بالذات، في الوقت ده بالذات، له سبب. و إنك حتى لو مش فاهم السبب في ساعتها، فإنت لسة مطالب تعافر و تصبر .. أو تتصبر.

مؤخراً ابتديت أدرك ليه بنختم دعاء الاستخارة ب “و اقدر لي الخير حيث كان ثم ارضني به”. لأنه في الحقيقة يعني .. الأهم من إن ربنا يقدر لك الخير، هو إنك تكون شايف من الأصل إنه خير .. و راضي.

و اقدر لي الخير … ثم ارضني به.

Comments

comments