1967-1

في التاسعة إلا ربع من صباح الخامس من يونيو من عام 1967, انطلقت 200 طائرة إسرائيلية تقصف المطارات المصرية. كانت مصر وقتها تمتلك أقوى سلاح طيران عربي بمجموع 420 طائرة. قبل الواحدة ظهراً كانت مصر قد فقدت 388 طائرة و100 طيار.

بنهاية الحرب القصيرة في العاشر من يونيو كانت المحصلة هي انتزاع إسرائيل لمساحة من الأراضي من ثلاث دول عربية تعادل ثلاثة أضعاف مساحة إسرائيل ذاتها. كما ضمت إسرائيل القدس الشرقية لتبدأ عملية تهويد القدس, كل هذا غير سقوط أكثر من 20 ألف شهيد عربي مقابل أقل من ألف قتيل صهيوني.

————————————————

ما الذي يحسم المعارك والحروب؟

لماذا تنتصر أمم وتنهزم أخرى بدون اعتبار للقوة العسكرية وحدها كعامل يحسم نتيجة الحروب لصالح الجيوش الأقوى, الأكبر عدداً أو الأفضل عتاداً؟

لماذا توالت هزائم جيوش الفرس أمام جيوش إغريقية أقل عدداً بكثير؟

لماذا استطاع المسلمون أن يهزموا أعظم امبراطوريتين في ذلك الوقت بعُشر عدد الجنود وبتسليح أضعف كثيراً؟

ربما كانت تلك أمثلة من عصور قديمة.. لنأخذ مثالاً أقرب زمانياً وتأثيراً في تاريخنا الحديث..

كيف انتصرت إسرائيل على مصر وسوريا والأردن في حرب قصيرة بنهايتها كانت الدولة الضئيلة حديثة العمر انتزعت قطعة أرض ضخمة من كل من الدول العربية الثلاث..

ما الشئ المشترك بين الدول العربية الثلاث ولا تشترك فيه معهم إسرائيل؟

الإجابة سهلة وواضحة.. الدول العربية الثلاث كانت – ومازالت – يحكمها ديكتاتور يعتمد في بقائه على “ولاء” مجموعة صغيرة جداً من شعبه معظمها من كبار الضباط.. بينما تختلف عنهم إسرائيل في أنها دولة تحكمها حكومة تعتمد في بقائها على “رضا” قطاع كبير من الشعب على أدائها.

بمعنى أن الديكتاتورات العربية الثلاث كانت تعتمد على تحالف صغيرمن أصحاب المصالح الشخصية من الشعب بينما الكيان الصهيوني يعتمد على تحالف أوسع يضم قطاعات أكبر من الشعب.. وهنا مربط الفرس كما سنرى.

————————————————————–

قبل حرب الأيام الست أو النكسة كما نعرفها كان حجم القوات الإسرائيلية العاملة بدون الاحتياطي يتراوح بين 50 و 75 ألف جندي بينما كان حجم القوات المسلحة لمصر وسوريا والأردن حوالي 360 ألف جندي, بواقع 230 ألف جندي مصري 75 ألف جندي سوري و 55 ألف جندي أردني.

مما يعني أن القوات الإسرائيلية – على أقصى تقدير- كانت تمثل 17% فقط من مجموع القوات المتحاربة بينما مثلت القوات العربية 83% منها. لذلك وبالمقاييس العسكرية التقليدية كانت نتيجة الحرب القصيرة مذهلة.

————————————————————-

في الدول ذات النظام الديمقراطي, تدين الحكومات لمن أتى بها لسدة الحكم وهي في تلك الحالة جماهير المواطنين الذين انتخبوها, ولأن كل حكومة تسعى للبقاء في الحكم فإن ذلك لا يتأتى في الدول الديمقراطية إلا بإرضاء تلك الجماهير. أول طرق إرضاء أي شخص هي الحفاظ على حياته وحياة من يحب. ولذلك تُعَظِم الديمقراطيات من قيمة الفرد حتى في الحرب وتسعى حكوماتها على الحفاظ على حياة الجنود بكل الوسائل الممكنة عن طريق استثمار نسبة كبيرة من إنفاقها العسكري على تسليح الأفراد أنفسهم ودروعهم الواقية. بينما لا تهتم الديكتاتوريات بذلك الأمر كثيراً, فالأفراد عندها مجرد وسائل وأدوات أقل قيمة من الأموال التي قد تُنفق للحفاظ على أرواحهم.

في عام 1967 كانت تعداد السكان في مصر حوالي 30 مليون بإجمالي ناتج قومي 5.3 مليار دولار مقابل 2.6 مليون إسرائيلي بإجمالي ناتج قومي 4 مليار دولار. وبينما كانت القوات الإسرئيلية تمثل 17% فقط من إجمالي عدد القوات المتحاربة فإن الإنفاق العسكري الإسرائيلي مثل 39% من إجمالي إنفاق الدول الأربع المتحاربة. يقول الفريق أول محمد فوزي في مذكراته أن حجم إنفاق القوات المسلحة المصرية في 1967 كان 174 مليون جنيه مصري (حوالي 408 مليون دولار وقتها) بينما كان الإنفاق الإسرائيلي في العام ذاته 381 مليون دولار وبرغم تقارب الرقمين ولكن الاختلاف في أوجه الإنفاق هو ما حدد المنتصر في الحرب بصورة كبيرة.

يقول عالما السياسة (بروس بوينو دي ميسكويتا) و(ألاستير سميث): ” إن الفرق بين معدل الإنفاق العسكري لكل جندي أكبر من مدلول الأرقام وحدها. فالجيش الإسرائيلي كجيوش باقي الدول الديمقراطية ينفق جزء ضخم من ميزانيته لحماية الجنود وتجهيزهم ورفع مستوياتهم القتالية عن طريق منحهم أفضل المعدات والتدريبات, لأن هدف تلك الديمقراطيات هو تحقيق النتائج العسكرية المطلوبة بأقل تكاليف بشرية.

بينما كانت المركبات والدبابات المصرية غير مجهزة بالدروع وبتسليح رخيص, هذا لأن الجيش المصري كان يفضل أن ينفق ميزانيته في هيئة عطايا لكبار الضباط لضمان ولائهم.”

ما زلنا مع تحليل العالمين للنكسة, ”  فجمال عبد الناصر رئيس مصر وقتها لم يكن منتخباً من الشعب لذلك لم يكن يشعر بأنه مدين بمنصبه لأمهات وزوجات الجنود الذي ينوحن على فقدان أحبائهن. في الوقت نفسه كان يعرف أن عليه أن يضمن ولاء مجموعة ضيقة من كبار الضباط لضمان بقائه في منصبه.”

في تقييمه لتجهيز القوات المسلحة المصرية قبل النكسة يقول الفريق أول محمد فوزي عن تدريب القوات المصرية: “إن القوات المسلحة المصرية لم تعط هذا الموضوع حجمه من الممارسة الحقيقية, رغم أن المشير عبدالحكيم عامر كان المسؤول عنه بشكل أساسي” “كذلك لم يتم التدريب على واجبات العمليات الحربية, بسبب غياب واجبات الوحدات التفصيلية” “و طوال الفترة من 1962 إلى 1967 لم يقم المشير بالزيارة والتفتيش سوى ثلاث مرات فقط.”

نعود مرة أخرى ل(دي ميسكويتا) و (سميث), العالمان يريان أنه في معظم الأحيان تحاول الديمقراطيات أن تنتصر في حروبها بصورة أكبر من الديكتاتوريات, لدرجة أنه في بعض الأحيان يكون الأكثر منطقية وعملية للنظام الديكتاتوري أن يخسر معركة قد يكلفه الانتصار فيها أموالا ضخمة لن يستطيع إن اقتطعها من ميزانية القوات المسلحة أن يضمن ولاء المجموعة التي تسانده.

علينا أن نتذكر أن دور الجيوش في الديمقراطيات يقتصر على حماية البلد من العدو الخارجي بينما دور الجيوش في الديكتاتوريات أكثر تعقيداً إذ يتضمن حماية كرسي الحكم ليصبح العدو الداخلي المهدد للسلطة الحاكمة أخطر من العدو الخارجي ما دام لا يهدد بقاء السلطة مثل حالة الدول العربية الثلاث التي ضحت عواصمها بقطع من أراضيها لكن بقيت أنظمتها في الحكم رغم الهزيمة الساحقة.

مقارنة رقمية بسيطة يعقدها العالمان في جامعة نيويورك, بين إسرائيل ومصر ستجعل الأمر أكثر وضوحاً. في 21 يونيو 1963 خلف (ليفي إشكول) (ديفيد بن جوريون) كثالث رئيس وزراء للكيان الصهيوني بعدما خلفه كرئيس لحزب (ماباي) الذي أصبح حزب العمال الآن. لأن حكومة (إشكول) وصلت بالانتخابات فالتحالف الذي تعتمد عليه في بقائها هو تحالف موسع, يمكن افتراضه ب25% من عدد سكان إسرائيل وقتها, أي 650 ألف. بافتراض أن نسبة 10% من ميزانية التسليح تذهب لإرضاء ذلك التحالف – وهو رقم مبالغ فيه بالنسبة لدولة ديمقراطية – فإن ذلك يعني أن نصيب كل فرد من التحالف هو 58 دولار تقريباً.

في أواخر 1954 استطاع جمال عبد الناصر أن يستأثر بالحكم في مصر بعد عزله الرئيس محمد نجيب معتمداً بعدها على مجموعة مقربة من كبار الضباط تراوح عددهم بين 8 و 65 ضابطاً ليكونوا تحالفاً ضيقاً يعتمد عليه عبد الناصر للبقاء في الحكم مقابل شراء ولائهم بالعطايا والمميزات. لو افترضنا أن العدد هو ألف ضابط وليس 65, و أن نسبة العطايا والمنح حوالي 30% من إنفاق الجيش – والرقم الحقيقي قد يكون أكبر كثيراً من مجرد 30% – فإن نصيب كل فرد من تحالف عبد الناصر 150 ألف دولار.

لذلك فمن الواضح أن الفرد في تحالف عبد الناصر لن يقبل أن تُنزع منه العطايا حتى لو أدى ذلك لخسارة الحرب, وعبد الناصر كأي ديكتاتور لن يستطيع أن يقامر بعمل قد يثير كبار الضباط عليه. بينما كان وضع (ليفي إشكول) أسهل كثيراً, فمن السهل التضحية بستين دولاراً مقابل أن تنتصر في الحرب.

ولكن هناك أسباب أخرى لهزيمة الديكتاتوريات العربية أمام إسرائيل, نظرية (ريشارد كابوشينسكي) لأسباب هزيمة العرب أن الشعب الإسرائيلي كله يشترك في الحرب بصورة أو بأخرى بداية من قرار الحرب ذاته, بينما في البلاد العربية لا يشارك في الحرب إلا الجيش ولا يتخذ قرار الحرب أصلا إلا عدد من كبار الضباط يعد على أصابع اليد الواحدة. يقول المؤرخ والمراسل الشهير “في الوقت الذي كانت سوريا تخسر فيه مرتفعات الجولان, في نفس الوقت, في نفس اليوم, في نفس الساعة, في دمشق – 20 كيلومتراً من مرتفعات الجولان- كانت المقاهي تعج بالناس. خسرت سوريا 2500 فرد في الحرب, بعدها بأقل من عام قُتِل مثلهم في صراع على الحكم في القصر الجمهوري.”

في نفس السياق يقول الفريق محمد فوزي :

“إضافة لعدم وضوح الرؤية والهدف, وعدم وجود عقيدة القتال ووحدة القيادة, وبعد القوات عن الهدف السياسي, وإخفاء المعلومات والحقائق عن أفراد وحدات القوات المسلحة, مع وجود الفكر القائد المسيطر المتمثل في فرد واحد فقط دون مجالس متخصصة تتحمل مسؤولية القرار الجماعي, كل ذلك أثر على معنويات الضباط والجنود و أثر على انضباطهم العسكري. مما يجعل أي تفكير منطقي يستنتج شكل المعركة القادمة ونتيجتها بسهولة قبل إطلاق أي طلقة فيها.”

————————————————

_43004625_postwar_416map

بانتهاء الحرب كانت إسرائيل قد انتزعت 70 ألف كم2 من ثلاث دول عربية

بانتهاء يوم 10 يونيو 1965 كان قد سقط 2500 شهيد سوري.. بعدها بعدة سنوات, تحديداً في فبراير 1982 ستحاصر قوات حافظ الأسد مدينة (حماة) السورية لمدة شهر تقريباً, ستجتاح بعدها المدينة و لن تتركها إلا بعد قتل 20 ألفاً من أهلها وتدمير معظم أحيائها.

لماذا خسرت الديكتاتوريات العربية الحرب أمام دولة لم يكن قد مضي على نشأتها 19 عاماً وعدد سكانها أقل من واحد على عشرين من سكان الديكتاتوريات الثلاث؟

لأن عروش حكام العرب أغلى عندهم من شعوبهم ودماء أبنائها, عروش ترخص أمامها الأوطان نفسها.

في 1967 كان ثمن بقاء ملك وديكتاتورين على عروشهم هو سيناء والجولان والضفة الغربية وغزة و القدس.. و عشرون ألف شهيد.

Comments

comments