هل الديمقراطية ترف؟

خلال السنوات الأربع الماضية منذ بداية الثورة في تونس ثم انتقالها لمصر فليبيا ثم سوريا واليمن.. ثم فشل “مرحلي” للتغيير في تلك البلاد مع تدهور حاد في الأوضاع الأمنية والاقتصادية في كل تلك البلدان أصبح السؤال التالي منطقياً ومباحاً: هل الأمر يستحق فعلاً؟ هل تستحق فكرة اختيار الشعب لحاكمه كل تلك التضحيات؟ ما العائد أصلا من فكرة الديمقراطية واختيار الشعب لحكامه خاصة مع إدعاء الكثيرين ومنهم من أنبياء الديمقراطية العربية – أمثال د. علاء الأسواني – بأن شعوبنا ليست مؤهلة للاختيار وهو نفس ما كان يدعيه الحكام الديكتاتوريين..

الخطأ في رأيي نابع من اعتقاد الكثيرين إن الهدف من الديمقراطية هو اختيار الشعب لممثليه وحكامه.. هذا ليس هو الهدف أصلا..

مبدأ اختيار الشعوب لحكامها طريق ووسيلة وليست هدفاً في حد ذاته, الهدف هو ما ينتج عن تلك العملية..

لنعقد مقارنتين سريعتين, في البلد أ تجري انتخابات حرة بين عده مرشحين, في النهاية يفوز مرشح لأنه حصد النسبة الأعلى من الأصوات.. لنقل مثلا أن عدد سكان ذلك البلد 100 مليون – عدد سكان مصر في 2017 – و أن 70% منهم لهم حق الانتخاب, ولكن نسبة الحضور في حدود 50% فقط من إجمالي الناخبين مما يعني أن عدد الناخبين الحقيقي هو 35 مليون.. يحتاج المرشح الفائز لنسبة 50%+1 للفوز يعني حوالي 18 مليون من إجمالي 100 مليون.. إذا هو عليه كسب رضا 18% من سكان تلك البلد على الأقل ليضمن الوصول للحكم والبقاء فيه.

في البلد ب هناك انتخابات “مرتبة” مسبقاً, وللمقارنة العادلة سنفترض أن عدد سكان البلد ب هو نفسه عدد سكان البلد أ. الفارق أن في البلد ب لا يحتاج الحاكم للفوز برضا 18 مليون للوصول للحكم والبقاء عليه, فقط يحتاج لرضا وولاء مجموعة صغيرة من الفاعلين الحقيقيين في البلد ب, عادة لا يزيدون عن 1000 شخص من كبار الملاك ورجال الأعمال وضباط الجيش وملاك قنوات إعلامية. بقاء الحاكم في البلد ب يعتمد على ولاء 1000 شخص من إجمالي 100 مليون = 0.00001% من عدد السكان ( واحد على مائة ألف).

المنطقي أن الحاكم سيعمل على إرضاء من يضمنون له كرسيه متجاهلا هؤلاء الذين لا يمثلون له أهمية في مسألة بقاءه حاكماً من عدمه, لذلك ستكون سياسة الحاكم في البلدين مختلفة تماماً, الأول يجب أن يرضي 18% على الأقل من سكان البلد أ ليفوز بالكرسي, غير أنه ولأن الانتخابات في البلد أ حقيقية فهو ومن وراءه حزبه سيسعى طوال فترة حكمه لإرضاء أكبر شريحة ممكنة من الشعب حتى يضمن عدم مغادرته للحكم في الانتخابات التالية. بينما في البلد ب سيختلف الأمر تماماً, هنا 99.99999% من سكان البلد ب لا يهم مطلقاً في معادلة الحكم ولذلك فمن الغباء السياسي محاولة إرضاء مجموعة لا وزن لها سياسياً. النتيجة أن 99.99999% من موارد الدولة ب ستصب في جيوب الحاكم و ال 0.00001% الذين يضمنون له بقاءه مادام يضمن لهم استمرار العطايا والتميز عن باقي سكان البلد ب.
سيظهر فارق السياسات واضحاً في كل شئ, التعليم, الرعاية الصحية, عدد وفيات الأطفال, الكهرباء وتوزيعها وشرائح أسعارها ووفرتها, الوقود, الطرق والمطارات, ترتيب الجامعات ومستواها مقارنة بباقي جامعات العالم, جودة مياه الشرب ووفرتها, حتى مدى الاستعداد لمواجهة الكوارث الطبيعية.

الحقيقة أن الديمقراطية ليست ترفاً, وأن مبدأ اختيار الشعب لحكامه بإرادته الحرة ليس هدفاً في حد ذاته بل هو وسيلة لحياة أفضل لأكبر شريحة ممكنة من الشعب. إجبار الحكام والمنافسين على الحكم على الاعتماد على نسبة كبيرة من الشعب للفوز برضاهم للوصول للحكم هو المرادف لحياة أفضل لذلك الشعب والعكس صحيح.

Comments

comments