اغنبال_زعيم_الانقلابيين

كان علي أن أبذل قصارى جهدي لإقناعهم أن المزيد من الحريات السياسية سيؤدي حتما بالبلاد للتحرر و التقدم، لم يكن هناك

داع لاستخدام السلاح. لقد تعلمنا من التجارب أن الوضع في بلاد كتلك أضعف من توقعاتنا، وكزه هنا و أخرى هناك كانت تكفي لأن يهتز النظام السياسي كله في الدولة. كل ما تطلبه الأمر حث الجميع على التقدم للصفوف الأولى و ممارسة السياسة، إلى جانب الزج بفكرة المراقبة العامة غير الرسمية على الانتخابات الرئاسية، و مراقبة اللوائح  بغية الكشف عن حوادث الضغط و الاحتيال و اخبار المرشحين بها قبل وقوعها.

لقد قمنا بعملية موسعة لدعم “الحرية” و حق الشعب في اختيار من يمثله، بالطبع لم يكن الدبلوماسيون قادرون على ذلك ولكن عملاءنا و صحفيونا قاموا بكل العمل اللازم لحث الناس على اختيار الأكثر اخلاصا للبلاد. ولقد وجهت شركاتنا الأمريكية الخاصة، ورجالنا رسالة شديدة اللهجة لمن اعتادوا أعمال الضغط و الإكراه على المواطنين، لأن تلك الانتخابات كانت محط أنظار العالم كله، لقد أقنعناهم أنه يجب أن تمر الانتخابات بشكل نزيه و حر كما يريد المواطنون.  و تم توجيه تحذيرات مباشرة إلى كل من الاقطاعيين و أصحاب المحال و زعماء المقاطعات بألا يتدخلوا بأي حال بتعسف مع المواطنين، حتى يتم محو ذاكرة العنف و الجبر التي اعتاد عليها المواطنين.

و تضمنت خطواتنا:

1- حملة قامت بها أحد شركات البترول الأمريكية، بلصق إعلانات دعائية تحث الشعب على الادلاء بأصواتهم، واختيار المرشح الذي يريدونه لينعموا بالحرية بعد عقود من السيطرة الأجنبية. و مما أثار الشعب أن هذه الدعاية لم تؤيد مرشحا بعينه.

2- ترتيبات مع سائقي التاكسي لنقل الناخبين، مع حثهم على عدم قبول رشاوي

3- تزويد مراكز الاقتراع بآلات إلكترونية متقدمة لتسجيل الأصوات و بحياد حتى تغدو الانتخابات الوطنية كمثيلاتها الأمريكية.

وكانت تلك الانتخابات الحرة الأولى من نوعها في التاريخ الوطني، بعد أن كان الشعب يعرف تماما عن حكومته أنها مطية للتدخل الأجنبي.

كنا نعرف أننا تركنا الدولة في تلك النقطة عند منعطف خطر، فإما ثورة مسلحة من أذناب النظام القديم من الانتهازيين، أو حركة جديدة يقوم بها الجيش بدعم سري منا، وقد أيدنا الاختيار الثاني بالطبع. إن معارضة نظام الدولة الهش السابق لنا ولو في مسألة واحدة، كان يستلزم منا تغييره برمته، و بدون تدخل عسكري سافر. لقد خططنا الأمر برمته منذ اللحظة الأولى.

 لقد كان لزاما أن يأخذ الانقلاب منذ اللحظة الأولى صبغة وطنية خالصة، على الرغم من أننا من أعد و خطط للانقلاب، بل إن وجبات الرئيس المنتخب و المنقلب عليه، السجين آن ذاك كنا نحن من يحددها حتى لا تلتهب القرحة في معدته!

لقد سمحنا بإذننا بحملات مضادة لتشويهنا، ليبدو الانقلاب و كأنه معارض لسياساتنا، على الرغم من أن كل الخطوات كانت تتم بعد الترتيب معنا أولا. لقد حافظ الزعيم الانقلابي على علاقته معنا، بل وتساهل في كل القضايا المحورية لبلاده، لقد كنا نرشح له أسماء الدبلوماسيين و السفراء في كل المواقع الحساسة في بلاطه. حتى كانت اللحظة التي اعترفنا فيها صراحة بنظامه الجديد. لقد كنا نحن و الممالك* العربية المؤيدة لسياساتنا في صفه بشكل واضح منذ البداية.

بدأ كل شيء في التغير، بعد أن مررنا معه الدستور الجديد الذي كتبه، و تم ترشحه لانتخابات الرئاسة و فاز فيها بدعم خفي منا، إلا أنه طرأ عليه التغير الذي تداركناه فيما بعد. لقد طفق يطلب منا أن نقف كلما هل في اجتماعاتنا، بل وطالب أن يتم خطابه بكلمة “انتم” بدلا من “انت”، و حبذا استخدام “صاحب الفخامة”.  يبدو أنه لم يفهم قواعد اللعبة كغيره….

قبل أن يتم أربعة أشهر من حكمه، لم يفهم فيها كأي زعيم عصابة، أن مقاليد السلطة تستند على قاعدة سلطوية كان هو يفقدها بثبات كل يوم، ولقد أضاع السلطة لنفس السبب الذي يفقد به رئيس العصابة زعامة عصابته،….

 فعندما بدأ الشك يتسرب لنفوسهم أن رئيسهم قد خذلهم و غدر بهم، و بعد أن أحاطت كلمة “انقلابي” و “خائن” برئيسهم، ضاق الخناق عليه كان لابد من خطوة من جانبهم… لم يمر على مائة يوم من حكمه الكثير، و قد حاصر بيته أصحابه، وقتلوه مباشرة، و تم دفنه في مقابر الفرنسيين. كان أصحابه أكثر حنكة منه، فقد لفقوا له العمالة للفرنسيين… و بذلك حافظوا أيضا على علاقتهم معنا، أو خيطا رفيعا منها و بدون أي إعلان عن ذلك.

ولم تمر أيام حتى فاز الأكثر وحشية بينهم بعد أن تخلص من معاونيه، و أعطى فروض الولاء لنا في نفس الوقت الذي تم تزاوج المصلحة بين عدد من الساسة و العسكريين.  تزاوج يعقد طمعا في مغانم اقتصادية و سياسية و سلطوية بينهم، وكان الساسة يتعاطفون و يحملون آمال الأمة بأسرها و بقضايا جديدة و إن خالفت عقائد الأمة أو تاريخها. ولم يكن كل أولئك الساسة إلا تبع للــ”عسكريتاريا” فهم يظهرون على المسرح حينما يظهر العسكريون، ولم يكن بقاؤهم في السلطة رهن قوتهم الذاتية أو كفائتهم، وإنما رهن سرعة تلونهم و استمرار تذبدبهم.

نظام كذلك، لا يمكنه أبدا (1) الحفاظ على بقاؤه أو استقراره أو استقرار الدولة  (2) لن يقوم بأي خطوة في صالح تقدم البلاد (3) قد يتسبب في فوضى مستقبلية. إلا أن تلك المخاطرة كانت مقبولة، إذ أن دولة كتلك لم يكن ليقدر لها أي نصر على أعداؤها أبدا. أمة كتلك هي كلاعب على طاولة “البوكر” يعرف كل الاعبين أنه يخسر دائما… لا مضرة من وجوده على تلك الحالة.

لقد أكدت تلك الحادثة لكل من اهتم بدراستها، أن عمالة أي حاكم لدولة عظمى، حتى ولو كانت أعظم دول العالم لا تكفي لضمان بقاؤه و استمراره في الحكم في السلطة.

الانقلابيون دوما يموتون برصاصة من أقرب الناس إليهم. وفي أقرب فرصة… خاصة وهم يخسرون “قواعدهم” السلطوية. حتى و إن بدت القوة الكاملة في يدهم.

إن أعضاء أي عصابة، حين يتمايزون بينهم، فإن صوت الرصاص وحده هو من يعلو، تماما كصوت صرخات ضحاياهم حين يفتكون بهم.  الانقلابيون يموتون غدرا.

——————————————

(2) معلومات تاريخية و ملخص

———————————–

أحداث القصة السابقة لأول إنقلاب عسكري في الشرق الأوسط… بسوريا. أعاد صياغتها الأدبية كاتب هذه السطور اعتمادا على المصادر أدناه. و المصدر الأساسي فيها “لعبة الأمم ل مايلز كوبلاند”.

  كانت المملكة البريطانية تنحسر، و سلمت الراية طواعية للولايات المتحدة الأمريكية، بعد زيادة المد الشيوعي لليونان و تركيا، و بذلك أفسحت المجال للولايات المتحدة للتدخل في تركيا و اليونان، و أصبحت تركيا منطقة “عازلة” لحماية الغرب من تمدد روسيا. ثم طفقت أمريكا تنظر في أمر منطقة الشرق الأوسط، و بدأت بسوريا أولا لانتشار أفكار معادية لإسرائيل، بينما بقية المنطقة كانت تحت سطوة الإنجليز تماما وكان التسليم قيد التنفيذ…

بطل القصة هو “حسني الزعيم”  الذي اغتيل في 1949، بعد مدة حكم لسوريا بين 30 مارس و 14 أغسطس 1949قام باغتياله سامي الحناوي اسما، و أديب الشيشكاني فعلا. ثم اعتقل الشيشكاني صديقه الحناوي، حتى اضطر الشيشكاني للهرب من البلاد اثر انقلاب عسكري في فبراير 1954. مُنيت سوريا بتاريخ حافل بالانقلابات العسكرية بعد ذلك.الممالك العربية التي أيدت الانقلاب الأول: هي مملكة السعودية و مملكة مصر.

تعلمت المخابرات الأمريكية الدرس في سوريا، وبدأ التخطيط لأول “ثورة سلمية” في المنطقة بدولة “مصر” 1951 تحت قيادة الملك فاروق نفسه، لتصفية النظام القديم و يشرف بنفسه على قيام نظام جديد. بيد أن “كيرميت روزفلت” حفيد الرئيس تيودور روزفلت لم يجد مصر تناسب طموحاته العملية، فطالب رئيسه الجنرال بيديل سميث بنقله. حتى كان له مطلبه وأصبح مبعوثا خاصا لتنفيذ مهمات غير عادية، كان على رأسها ما عُرف بعملية “أياكس”. العملية التي تم الانقلاب فيها على الرئيس محمد مصدق الإيراني، بعد أن تصدرت صورة مصدق قبلها مجلة تايمز الأمريكية. ذلك أن سياساته كانت تعارض الطموح الاقتصادي الأمريكي في إيران.

أما الملك فاروق، فكان روزفلت قد أقنعه بتنفيذ مخطط يقتضي بأن يدفع بـ مرتضى المراغي و زكي عبد المتعال لخلق أزمة وزارية لتصفية عدد من الوزراء، بينما يوعز الملك للبوليس السري لجمع الأدلة و الوثائق ضدهما، ليثبت حين تحين الفرصة عمالتهما للمخابرات الأمريكية، ويتهمهما بالتخابر!

 ثم طالب الملك نجيب الهلالي ذو الشهرة الواسعة ليتولى رئاسة الوزراء، الذي رفض مبدئيا، حتى تم استبدال رجال الملك برجال لصوص و أكثر فسادا ولكنهم يميلون له. وبدا الملك وكأنه بلا حيله، و بلا فائدة. و عليه فلم يكن بدا من الانقلاب العسكري مرة أخرى في مصر، ذلك أنه تأكد أن الشعب المصري “خانع” وراض بالقسمة الحالية. و قبيل نهاية العام 1952 كان قد تم التواصل بالفعل بين المخابرات الأمريكية و الضباط الأحرار المصريين, وقد حرصت المخابرات على التأكد من أن “عدو الثورة” هو طبقة السياسيين القدماء و الإقطاعيين “الطبقة المروضة” ثم البريطانيين، وليست بأي حال من الأحوال “إسرائيل”.  و على أن المخابرات الأمريكية لم يصل لعلمها تفاصيل الانقلاب، إلا أن الانقلاب العسكري المصري الذي تم في الساعة الثالثة فجرا، قد أرسل صباح ذات اليوم  الضابط “السيد علي صبري”، أحد ضباط عبد الناصر، للاجتماع رسميا بالسفير كافري و قدم تقريرا شاملا عن وقائع الانقلاب، إلى جانب تأكيد الحكومة الجديدة عن عزمها إقامة علاقة وطيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية، و تم التأكيد على أن “قضية فلسطين لا تعنيه في شيء” شمل ذلك التصريح أيضا اللواء محمد نجيب.

——————————————————————————–

(3) خلاصة: ما الذي يجب أن ننحاز له، كيف نغير المستقبل؟

——————————————————————-

أولئك الذين يرضون بدستور من حاكم عسكري، أو بحاكم إنقلابي، أو بحاكم عميل، أو بحاكم دُمية… موجودين منذ فجر التاريخ، لن يتغير ذلك كله. المؤامرات، و الخطط و  الأفكار الواردة في هذا النص، بدأت في أواخر الأربعينات، وقد وصلت لدرجة عالية من النضج بعد تكرارها في عشرات الدول.  و لكن التاريخ يخبرنا أن الوعي الاستراتيجي هو أمر “تراكمي” في ذهن الشعوب، كل حدث سابق يؤثر في المستقبل بشكل مباشر… ولكن ماذا لو تم محو حدث بكل تفاصيله، ماذا لو تم محو قصة كاملة من ذاكرتك؟ ألن تتكرر ثانية… بحذافيرها؟ معركة الوعي تغير حتما في المستقبل…  Complexity theory.

إذا ما الذي يجب أن ننحاز له اليوم؟!

يجب أن ينحاز الشعب دوما لاختياره الحر، لحقه الحر في الاختيار، لأن يكون لاعبا اساسيا في تلك اللعبة. لن تتوقف المؤامرات، ولا الانقلابات. ولكن بإمكان الشعب الضغط دوما على “إنهاء عسكرة المناصب المدنية” أو “أخونة” ما كان منها بانتخاب، و على أن تكون المناصب المدنية كلها “بالانتخاب” قدر المستطاع.

بخلاف ذلك، فإن كل خطوة سيخطوها الشعب بتصميم من “الانقلابيين” أو “الخونة” بالتأكيد ليست في صالح الشعب.

نظرة سريعة على التاريخ، تعطيك فهما واضحا للواقع، و ربما نظرة أكثر وضوحا للمستقبل.

لا مستقبل لأمة لا “تختار”. لا مستقبل لأمة يتم صناعة “نخبتها” في وسائل الإعلام. المستقبل يقع على أكتاف أولئك الذين سيقفون على نفس المطلب دوما: اختيار مدني حر. المستقبل بإمكانك تغييره اليوم، بالــ “وعي”…

دمتم،

أحمد عبد الحميد

https://www.facebook.com/amahamid

مصادر:

نسخة من كتاب لعبة الأمم-مايلز كوبلاند:

http://bit.ly/14RLvlg

 عن حسني الزعيم-ويكي:

http://bit.ly/1fQgLpo

عن عملية أياكس-أجاكس:

http://bit.ly/1dPci44

فيلم عن أياكس في 10 دقائق:

http://bit.ly/19IMdRq

Comments

comments